البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٦٠ - دعوى الملازمة بين الإجماع و صدور الدليل الشرعي
الملازمة إلى ثلاثة أقسام، كما جاء في كفاية الأصول و غيرها من الكتب الأصوليّة الأخرى [١]، و هذه الأقسام، هي عبارة عن الملازمة العقليّة، و الملازمة العاديّة، و الملازمة الاتفاقيّة، و مثلوا للملازمة العقلية بالملازمة بين تواتر الخبر و صدقه، و للثانية بالملازمة بين اتفاق آراء المرءوسين على شيء و رأي رئيسهم، و مثلوا للثالثة بالملازمة بين الخبر المستفيض و صدقه.
و التحقيق أن هذا التقسيم للملازمة إلى هذه الأقسام لا معنى له؛ لأنّ الملازمة لا يمكن أن تكون إلّا عقلية؛ بمعنى عدم إمكان الانفكاك و امتناعه عقلًا؛ لأنّ الإمكان و الامتناع لا يدرك إلّا بالعقل دائماً. فكل شيئين حكم العقل بامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر، قيل عنهما: إنهما متلازمان، غاية الأمر، تارة يحكم العقل بذلك مطلقاً، و أخرى ضمن ظروف خاصّة، إمّا موجودة عادة و غالباً، أو بصورة اتفاقيّة، و هذا التقسيم إلى تلك الأقسام يرجع في الحقيقة إلى تقسيم الملزوم لا إلى نفس الملازمة؛ لأنّ الملزوم في أي ملازمة بين شيئين، تارة يكون ذات الشيء مهما كانت ظروفه و أحواله، من قبيل النار التي يلزم من وجودها الحرارة؛ فإن الحرارة لازم لذات النار مهما كانت ظروفها و أحوالها، أي: أن النار في جميع الظروف و الأحوال، و في أي مكان و أي زمان، و من أي سبب حصلت تلك النار، يلزم من وجودها الحرارة، فإذا كان الملزوم ذات الشيء، سميت الملازمة عقليّة، كالملازمة بين النار و الحرارة.
و تارة يكون الملزوم عبارة عن الشيء المنوط بظروف خاصّة، بحيث تكون تلك الظروف المنوط بوجودها متواجدة في ذلك الشيء غالباً و عادة، على نحو يكون الملزوم مركب من ذات الشيء و من تلك الظروف المتواجدة فيه غالباً، بحيث لا يكون بقطع النظر عن تلك الظروف أيّ ملازمة بين الشيئين، من قبيل الملازمة بين طول العمر و الهرم أو الشيخوخة، و في هذه الحالة تسمّى الملازمة بالملازمة العاديّة.
و تارة ثالثة يكون الملزوم عبارة عن الشيء المنوط بظروف خاصّة كالحالة الثانية، و لكن تلك الظروف قد يتفق وجودها فيه أحياناً، لا أنّها غالبة الوجود، و بهذا تفترق
[١] كفاية الأصول ص ٣٣١.