البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٢٨ - الأول تفسير المنطق الأرسطي للقضية المتواترة
الحاصل من التواتر هو من اليقين الموضوعي الاستقرائي، وعليه، فالبحث يقع في موردين:
الأول: تفسير المنطق الأرسطي للقضية المتواترة
عرف المنطق الأرسطي الخبر المتواتر بأنّه: «إخبار جماعة كثيرين يمتنع تواطؤهم على الكذب»، و من هذا التعريف، يظهر أن القضية لكي تكون متواترة لا بدّ و أن يتوفّر فيها أمران:
الأول: أن تقع مورداً لإخبار جماعة كثيرين.
الثاني: أن يمتنع تواطؤ هؤلاء المخبرين على الكذب.
فمع توفّر هذين الأمرين يحصل لنا العلم بصدق القضيّة المتواترة؛ لأنّ معنى امتناع تواطئهم على الكذب جميعاً، أن يكون واحد منهم على الأقل صادقاً في إخباره، و مع صدق واحد من هذه الإخبارات، تثبت القضية المخبر عنها لا محالة، و إلّا فلو كانوا جميعاً قد كذبوا بذلك الإخبار، لكان هذا يعني أنهم قد تواطئوا جميعاً على الكذب، و هو ممتنع بحسب الفرض، فيثبت أن واحداً منهم صادق لا محالة.
و من خلال ذلك، يتضح أن المنطق يفترض أن القضيّة المستنتجة عن طريق التواتر مستنبطة من مجموع مقدّمتين، إحداهما بمثابة الصغرى، و هي إخبار عدد كبير من المخبرين بقضيّة ما، و هذا هو الأمر الأول الذي أشرنا إليه، و الأخرى بمثابة الكبرى، و هي أن كل عدد من هذا القبيل يمتنع تواطؤهم على الكذب، و هذا هو الأمر الثاني من الأمرين المتقدّمين، و هذا يعني أن اليقين الحاصل من التواتر من اليقين الموضوعي الاستنباطي الذي يقوم على أساس قياس منطقي مؤلف من صغرى و كبرى، و هو كالآتي:
كلّما أخبر جماعة كثيرون بقضيّة أمتنع تواطؤهم على الكذب. «كبرى»
و قد أخبر جماعة كثيرون بموت زيد- مثلا-. «صغرى»
فينتج: إنّ الإخبار بموت زيد يمتنع أن يكون كذباً، و هذا يعني صدق ثبوت موته.
فبهذا الطريق يحاول المنطق الأرسطي أن يفسّر لنا كيفية حصول العلم من التواتر