البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١١ - كيفيّة تصحيح الاستدلال بالسيرة على الحجّية
ظاهر كلام المتكلّم الاعتيادي للكشف عن مراده، فكذلك يتعاملون مع كلام الشارع- أيضاً-؛ لعدم الفرق في نظرهم بين كلام المتكلّم الاعتيادي و كلام الشارع، وعليه، فلو كانت تلك السيرة و ذلك الارتكاز غير موافق للأغراض التشريعية للشارع، فهذا يعني أنّها سوف تمسّ بأغراض الشارع، فيجب عليه الردع عنها، فإذا لم يردع، كشف ذلك عن امضائها، و كونها دليلًا على حجّية الظهور بمعناها الأصولي: أي المنجّزية و المعذّرية.
إن قلت: مع ذلك لا يجب الردع عنها؛ لأنّها لم تمسّ بالفعل الأغراض التشريعية للشارع؛ لعدم انعقادها على العمل في مجال الأغراض الشرعية للشارع، بل هي لا زالت في حدود الأغراض التشريعية للعقلاء أنفسهم.
كان الجواب: إن الشارع لا ينتظر إلى أن يطبق العقلاء ذلك الارتكاز و البناء على تشريعاته حتى يردع عنها، بل يردع عنها منذ قيامها على عمل ما إذا كانت تلك السيرة سوف تعرّض أغراضه إلى الخطر [١]؛ لأنّ مثل هكذا سيرة تكشف عن وجود ارتكاز عقلائي و طباع عقلائية توجب على أساس العادة الجري على طبقها حتى في نطاق الأغراض التشريعيّة لمولى لم يساهم في تلك السيرة، الأمر الذي يجعل هذا الارتكاز يوحي- و لو خطأً- بأن مؤدّى تلك السيرة و ما انعقدت عليه فعلًا مورد اتفاق الجميع بما فيهم الشارع، و لا يفرّق العقلاء بسبب ذلك الارتكاز و الإيحاء الخاطئ بين تشريعاتهم أنفسهم و تشريعات غيرهم كالشارع، الأمر الذي يستدعي من الشارع الردع عنها لو لم تكن موافقة لأغراضه و تشريعاته، فإذا سكت و لم يردع عنها مع وجود ما يقتضي الردع لو لم تكن موافقة لتشريعاته، استكشفنا إمضاء الشارع لتلك السيرة.
و بهذا، يتضح أن المناط في الاستدلال بالسيرة العقلائية على الحجّية بمعناها الأصولي المعبّر عنه بالمنجّزية و المعذرية، أن تكون تلك السيرة في مجال تطبيقها الخارجي قد خلقت ارتكازاً بأن ما انعقدت عليه مورد اتفاق الجميع بما فيهم الشارع
[١] بل يجب عليه أن يردع حتى لو كان مجرد ارتكاز و إن لم يتجسد ذلك الارتكاز بعمل خارجي لأجل عدم تحقق موضوعه خارجاً؛ و ذلك لأن مثل هذا الارتكاز متى ما تحقق موضوعه فإنه سوف يتجسد بعمل و سلوك خارجي لا محالة، هذا فيما لو كان ذلك الارتكاز مخالفاً لأغراض الشارع.