البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٧٦
للدليل الشرعي كالتواتر و الإجماع أو لا؟
و لعلّ الجواب على ذلك السؤال أصبح واضحاً بعد أن عرفنا أنّ الشهرة الروائية تعني اشتهار الحديث و تعدد رواته دون أن يصل إلى حد التواتر، و أنّ الشهرة الفتوائيّة تعني اشتهار الفتوى دون أن يصل إلى حد الإجماع، و حينئذٍ: لو حدّدنا التواتر تحديداً كيفيّاً [١] بكثرة الرواة الناقلين للخبر، الموجبة لحصول العلم بصدوره، أو بالمعنى الشامل للاطمئنان أيضاً، كما لو افترضنا أن الكثرة العدديّة الموجبة لحصول العلم بقضيّة ما تتحقق بنقل عشرة أشخاص معينين لها، فلو افترضنا أن تلك القضية نفسها قد نقلها سبعة أشخاص فقط من أولئك العشرة كما هو معنى الشهرة، فالمفروض أن لا يحصل من تلك الشهرة سوى الظن [٢]؛ لفرض كون الشهرة دون التواتر، فإذا كان
[١] لا تحديداً كمّياً بعدد معيّن؛ لما قلناه من أن ضابط التواتر هو الكثرة العدديّة الموجبة لحصول العلم من دون تحديد عدد معيّن لتلك الكثرة، فقد يحصل العلم أحياناً بقضية بنقل عشرة أشخاص معينين، و قد لا يحصل العلم بنفس القضية إلا إذا نقلها عشرون شخصاً من غيرهم
[٢] لو افترضنا أن عشرة أشخاص نقلوا لنا قضيّة موت زيد، و كانت نسبة الكذب في إخبار كل واحد منهم عبارة عن ١/ ٢، فإن القيمة الاحتمالية لكذب الجميع تساوي قيمة احتمال كذب الأول* ...* ...* ...* قيمة احتمال كذب العاشر/ ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ١/ ٢/ ١٠٢٤، و افترضنا أن هذا الاحتمال الضئيل جدّاً لا يحتفظ به الذهن البشري، فيزول احتمال الكذب، و هنا يعني حصول العلم بصدق القضيّة، و هي موت زيد.
فلو افترضنا أن تلك القضية غير متواترة، بل كانت مشهورة، أي نقلها سبعة أشخاص فقط من هؤلاء العشرة، فهذا يعني أن قيمة احتمال كذب الجميع/ ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ٢* ١/ ١/ ٢/ ١٢٨، و هذه القيمة لا يحصل منها العلم بصدق القضية؛ لأنّ الذهن البشري قادر على الاحتفاظ بمثل هذا الاحتمال؛ لأنّه أكبر بكثير من قيمة الاحتمال في الحالة الأولى؛ لأنّ ١/ ١٢٨ أكبر من ١/ ١٠٢٤، نعم يحصل الظن بصدق القضية لا العلم.
إن قلت: أن احتمال ١/ ١٢٨ أيضاً احتمال ضئيل لا يحتفظ به الذهن البشري، و حينئذٍ، يحصل لنا العلم بصدق القضية نتيجة لزوال احتمال الخلاف.
كان الجواب: إنّه إذا كان الأمر كذلك، كانت القضية متواترة و ليست مشهورة، فيكون خلاف الفرض؛ لأنّ الميزان في التواتر هو التحديد الكيفي لا الكمي، أي: الكثرة العددية الموجبة لحصول العلم، فإذا كان هذا المقدار من الكثرة يوجب العلم، فهذا يعني أن هذا الخبر متواتر لتوفر ضابط التواتر فيه كما هو واضح، فلا بُدّ أن تتحدّد الشهرة تحديداً كيفياً بكثرة لا توجب العلم.