البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٦٥ - أولًا جواب الاعتراض الثاني
الثاني: أن دعوى كشف الإجماع عن وجود رواية خاصّة دالة على الحكم الشرعي ليس صحيحاً، و الوجه في ذلك أن تلك الرواية المفترضة، إن وجدناها في كتب الحديث و مصادره، فهذا يعني وصول الرواية بنفسها بلا دخالة للإجماع في ذلك، فنتعامل مع الرواية كغيرها من الروايات الأخرى، و لا بدّ حينئذ من تقييمها بصورة مباشرة من ناحيتي السند و الدلالة، فإذا كانت تامة سنداً و دلالة عندنا، حكمنا على طبقها، و إلّا فلا.
و إن لم نجد شيئاً من هذا القبيل في كتب الحديث، فلا يمكن افتراض وجود رواية و أن المجمعين قد استندوا إليها؛ لأنهم لو كانوا قد استندوا إلى رواية معيّنة فلا بدّ إمّا من ذكرها في كتب الحديث من قبل أحد المجمعين، أو ذكرها على الأقل في كتبهم الاستدلالية، لأنها هي الأساس الوحيد لفتواهم بحسب الفرض، مع العلم أنّهم يذكرون من الأخبار حتى ما لا يستندون إليه في كثير من الأحيان، بل يجعلونه مؤيّداً لفتواهم، فعدم ذكرها في كتب الحديث من قبل أحد المجمعين أو في كتب أحدهم الاستدلالية، دليل على عدم استنادهم إلى رواية، و على هذا، كيف يمكن افتراض أن يكون الإجماع كاشفاً عن الدليل الشرعي؟
الجواب على كلا الاعتراضين:
إن كل واحد من الاعتراضين المتقدّمين قابل للمناقشة و الدفع، و سوف نبدأ بالجواب على الاعتراض الثاني ثم بعد ذلك نذكر الجواب على الاعتراض الأول.
أولًا: جواب الاعتراض الثاني
أمّا بالنسبة للاعتراض الثاني، فجوابه: أننا عند ما نقول إن الإجماع كاشف عن الدليل الشرعي، فإننا لا نعني بذلك أنّه يكشف عن وجود رواية معيّنة دالة على الحكم الشرعي حتى يُقال: كيف لا يوجد لها أثر في كتبهم الحديثية أو الاستدلاليّة؟ بل إن المراد من كشف الإجماع عن الدليل الشرعي، هو أن الإجماع يكشف عن وجود ارتكاز و وضوح في الرؤية لدى المجمعين من فقهاء عصر الغيبة المتقدمين، و أن هذا الارتكاز و الوضوح قد تلقّاه أولئك الفقهاء من الطبقات السابقة عليهم من