البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٣ - معاني الحروف هي واقع النسبة و الربط لا مفهوميهما
يجب أن ينتهي إلى ما بالذات [١].
٥- و حيث انتهينا- من خلال مجموع النقاط السابقة- إلى وجود معان رابطة يكون الربط ذاتياً لها، بمعنى: أنها عين حقيقة الربط بحيث يكون الربط مقوّماً لها، ننتهي إلى النتيجة التالية:
إن المعاني التي تقوم بوظيفة الربط في الجملة هي عبارة عن مداليل الحروف، و هذا يعني أن الحروف موضوعة للنسبة و الربط، و هي غير المعاني الاسمية، باعتبار أن الربط دائماً متقوم بطرفيه، لأنه لا يمكن أن يكون هناك ربط بدون طرفين مرتبطين ارتبط أحدهما بالآخر، فهذا يعني استحالة تصوّره مجرّداً عن طرفيه؛ لأنه مساوق لتجرّده عن الربط، و هو خلف ذاتيته له، و حيث إن المعاني في الجملة إما اسمية و إما حرفية؛ إذ لا شيء ثالث غيرهما و أن المعاني الاسمية مما يمكن تصورها بصورة مستقلة و مجردة عن أي ضميمة، فلا تكون هي تلك المعاني الرابطة التي يكون الربط ذاتياً لها، فيتعين أن تكون تلك المعاني الرابطة هي مداليل الحروف.
و هذا البرهان، يثبت أن التغاير و الاختلاف بين المعاني الحرفية و المعاني الاسمية تغاير ذاتي، و هذا البيان كما أبطل الاتجاه الأول، فهو يبرهن على صحة الاتجاه الثاني
إجمالًا، كما سيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.
معاني الحروف هي واقع النسبة و الربط لا مفهوميهما
قوله (قدس سره) ص ٩٦: «و حتى نفس مفهوم النسبة و مفهوم الربط ... الخ».
عند ما نقول: إن المعاني الحرفية هي النسبة و الربط، لا نعني بذلك أن الحروف
[١] مثلًا: لو أخذنا ماءً بارداً و وضعناه في إناء، ثم وضعناه على النار، فإنه بعد فترة يصبح حاراً، فهذه الحرارة التي في الماء، إما ذاتية له و إما عرضية، و الأول باطل؛ لأن الماء قبل وضعه على النار كان بارداً، فلو كانت ذاتية له لما كان كذلك، فلا بد أن تكون عرضية، بمعنى: أن الحرارة عرضت على الماء، و هذا يعني أنها مستمدة من الغير، و هذا الغير ليس هو إلّا الإناء؛ لأن الماء بحسب الفرض لم يلامس إلّا الإناء، فحرارة الماء مكتسبة إذن من حرارة الإناء الذي على النار، و حرارة الإناء إما ذاتية لهُ و إمّا عرضيّة مستمدة من الغير، و الأول باطل لوضوح أن الإناء لم يكن حاراً قبل وضعه على النار، فلا بد أن تكون عرضيّة و مستمدة من الغير، و هذا الغير هو النار، و الحرارة ذاتية لها، و إلّا تسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، و هو باطل، فيلزم أن ينتهي كل ما بالعرض إلى ما بالذات.