البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤١ - تعليق السيّد الشهيد على هذا الوجه
الأول: الثبوت عند الثبوت، أي: ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط
و الثاني: الانتفاء عند الانتفاء، أي: انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، فيثبت المفهوم؛ لأنّ التبادر علامة على الوضع.
فإذا تم هذا الوجه، فهو يُثبت المفهوم كمدلول تصوّري، فتكون الجملة دالة بالدلالة التصوّرية الوضعية على الانتفاء عند الانتفاء.
و لازم هذا القول كما هو واضح، إن استعمال الجملة الشرطية في موارد عدم الانحصار، لا بدّ و أن يكون استعمالًا مجازياً على هذا الوجه؛ لأنّه من استعمال الجملة في غير ما وضعت لهُ من معنى، فلو قال المولى: «إذا نمت فتوضّأ»، يكون هذا من الاستعمال المجازي؛ لعلمنا بأنّ النوم ليس علة منحصرة للوضوء كما هو واضح.
تعليق السيّد الشهيد على هذا الوجه:
و قد علق السيّد الشهيد (قدس سره) على هذا الوجه بالقول: اننا و إن آمنّا بصحة هذا التبادر، و أن المتبادر من الجملة الشرطية هو الانتفاء عند الانتفاء، أي: كون الشرط علّة منحصرة للجزاء، و لكن ما يلزم من هذا التبادر من كون استعمالها في موارد عدم الانحصار من الاستعمال المجازي خلاف الوجدان؛ لأنّنا لا نشعر بثقل المجازية في مثل هذه الاستعمالات، بل لا نفرّق بين الجملة الشرطيّة المستعملة في الانحصار و بين الجملة الشرطية المستعملة في موارد عدم الانحصار، فلا فرق بين قولنا: «إذا نمتَ فتوضأ»، و قولنا: «إذا طلعت الشمس فالنهار موجود»، فالشرط في الأولى ليس علّة منحصرة للجزاء بخلاف الثانية.
إذن، نحنُ بين وجدانين لا بدّ من التوفيق بينهما؛ لأنّ كل منهما بحسب الظاهر يكذب الآخر، و هذان الوجدانان هما:
١- وجدان التبادر المدعى.
٢- وجدان عدم الاحساس بالتجوّز في موارد عدم الانحصار [١].
[١] أقول: إن الذي يدعي اثبات المفهوم للجملة الشرطية استناداً إلى دعوى الوضع و التبادر، لم يدّع أكثر من اثبات الركن الأوّل و هو العليّة الانحصارية لا غير، فهو بحاجة إذن- لكي يتم الاستدلال بهذا الوجه- إلى إثبات أن مفاد هيئة الجزاء هو طبيعي الحكم لا شخصه، كما أشار إلى ذلك السيد الشهيد في آخر تلك الوجوه بقوله: «و كل هذه الوجوه الخمس تشترك في الحاجة إلى إثبات أن المعلّق على الشرط طبيعي الحكم»، و حينئذٍ، فإن كان المراد من التبادر المدّعى تبادر كون الشرط علة منحصرة لطبيعي الحكم و بهذا يثبت المفهوم، فحينئذ سوف يكون للملاحظة المذكورة وجه؛ لأنّ لازم ذلك التبادر أن استعمالها في موارد عدم الانحصار في الطبيعي بأن كان المعلّق عليها شخص الحكم، يكون استعمالًا مجازياً لا حقيقياً و هذا خلاف الوجدان، و بالتالي لن يمكن التوفيق بين هذين الوجدانين بوجه من الوجوه؛ لأنّ احدهما يكذب الآخر، و اجتماعهما باطل، فلا بدّ إمّا من التسليم بالمجازية، أو رفض التبادر المدّعى، هذا أولًا، و أما ثانياً، فإنه لن يكون هناك حاجة إلى الركن الثاني وفقا لهذه الصيغة.
و إن أريد من التبادر أن المتبادر هو كون الشرط علة منحصرة للحكم في الجزاء من دون دلالة هذا التبادر على أن الحكم في الجزاء هو الطبيعي أو شخصه، بمعنى أن المتبادر منها هو الانتفاء عند الانتفاء فقط، و أمّا كون المنتفي طبيعي الحكم أو شخصه فلا دخل للتبادر في اثبات ذلك، فإذا كان المقصود من التبادر المدعى هو هذا المعنى، فلا وجه للإيراد المذكور، إلّا إذا قلنا أن الانحصار يكشف عن كون المعلّق سنخ الحكم كما حكي ذلك عن الشيخ، و لكن هذا الكلام لا دليل عليه، و هو خلاف اشتراطهم في ثبوت المفهوم وجود ركنين؛ و إلا كان المفروض أن يكون ركناً واحداً و هو الركن الأوّل كما هو واضح.
و الوجه في عدم صحة الإيراد المذكور على هذا المعنى؛ هو أنه لا يوجد في الحقيقة وجدانان حتى يحتاج إلى التوفيق بينهما، بل الموجود أمر واحد و هو الوجدان الأوّل، أي: تبادر كون الشرط علة منحصرة للجزاء؛ و ذلك لأنّه لا يوجد عندنا استعمال للجملة الشرطية في موارد عدم الانحصار مع فرض استعمالها في العلّية، و كون الشرط علّة منحصرة للجزاء، أعم من كون المنحصر هو طبيعي الحكم أو شخص الحكم، فعليه، تكون الجملة الشرطية في كلا الموردين قد استعملت في معناها الحقيقي، و لعل هذا هو مراد السيّد الشهيد من التوفيق بينهما، خصوصاً مما يظهر من قوله: «و كأنّه يوجد في الحقيقة وجدانان»، فالتعبير ب- «كأنّه»، يشير إلى أن الموجود في الحقيقة ليس الّا وجداناً واحداً لا وجدانين. و أكبر الظن، أنّ الذي يدعي التبادر لا يدّعي أكثر من هذا المعنى، و إلى هذا المعنى أشار السيّد الشهيد في قضية التوفيق بين هذين الوجدانين عند تعرضّه لكيفيّة اثبات مفهوم الشرط.