البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٠٤ - الأوامر الإرشادية
لأن الوجوب أو الاستحباب غير دخيل في مدلول اللفظ بناءً على هذا القول؛ لأن مدلوله بحسب الفرض هو الطلب مطلقاً، أي: الأعم من الوجوب و الاستحباب، فالمعنى في جميع هذه الأوامر واحد، و هو عبارة عن طلب الفعل، فيكون قوله: «اغتسل للجنابة» دالًا على الوجوب؛ لأنه طلب لم يقترن بورود الترخيص في المخالفة، فيحكم العقل بلزوم امتثاله.
و بعبارة أخرى: إن السياق الواحد و هو إرادة المعنى الواحد من الجميع، إنما يكون قرينة على خلاف الظهور فيما لو كان هناك ظهور للفظ يخالف ذلك السياق، و بناءً على القول الثاني، لا يكون لقوله: «اغتسل للجنابة» ظهور يخالف السياق؛ لأن الأوامر الواردة في ذلك السياق الواحد قد أريد منها معنى واحد في الجميع و هو عبارة عن الطلب، و الوجوب المستفاد من قوله: «اغتسل للجنابة»، ليس مدلولًا لفظياً، بل هو ثابت بحكم العقل، و لا دخل له بمدلول اللفظ أصلًا.
و أما على القول الثالث- و هو دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق و مقدمات الحكمة-، فحاله حال القول الثاني في عدم أدائه إلى انثلام وحدة السياق فيما لو أريد من بعض الأوامر الوجوب- مثلًا-؛ و ذلك لأن جميع هذه الأوامر قد استعملت في معنى واحد و هو الطلب لا غير، غاية الأمر، في بعضها أريد المطلق، و في البعض الآخر أريد المقيّد، فالتفكيك بين تلك الأوامر بحيث يُراد من بعضها الوجوب و من
البعض الآخر الاستحباب، لا يعني على هذا القول تغاير مدلولاتها؛ لأن مدلولها في الجميع معنى واحد، و هو عبارة عن طلب الفعل، و كل من التقييد و الإطلاق يستفاد من دال آخر.
الأوامر الإرشادية:
الأوامر التي تصدر من الشارع على قسمين:
الأول: الأوامر المولوية: و هي الأوامر التي يظهر المولى فيها مولويته، و تكون مجعولة بداعي البعث و التحريك المولوي، و لأجل ذلك تقع مخالفتها موضوعاً لاستحقاق العقاب، و تقع موافقتها و امتثالها موضوعاً لاستحقاق الثواب، من قبيل قوله: «صلِّ»، أو: «صم»، و غير ذلك من الواجبات الأخرى الثابتة في الشريعة.