البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١٥ - الفرق بين هذين النحوين من السيرة
بها أن تكون دليلًا على الحكم الشرعي، لأنّ الحكم الشرعي ثابت بحسب الفرض، و إنّما تحقق صغرى لذلك الدليل، و هذا يعني ليس من اللازم معاصرتها لزمن المعصوم (ع)؛ لأنّ شرط المعاصرة إنّما هو لأجل اكتشاف الإمضاء من السكوت و عدم الردع، فإذا لم يشترط الإمضاء، فلا محالة لم تشترط المعاصرة، فكما أن اشتراط المتعاقدين لعدم الغبن صريحاً يوجب ثبوت خيار الغبن لتحقق الشرط الذي يجب الوفاء به بمقتضى «المؤمنون عند شروطهم»، فكذلك قيام السيرة على اشتراط عدم الغبن يحقق الشرط المذكور فيثبت خيار الغبن في المعاملة، و من الواضح أن مثل هذه السيرة لا تحتاج إلى الإمضاء من قبل الشارع حتى يثبت مضمونها، و إذا كان كذلك، فلا تحتاج إلى أن تكون معاصرة للمعصوم (ع).
الثاني: إنّ السيرة التي يستكشف بها دليل شرعي على حكم كلّي، تكون نتيجتها و هو الحكم الشرعي ملزمة للجميع حتى لمَنْ شذّ من العقلاء عن تلك السيرة، فمثلًا لو افترضنا قيام السيرة العقلائية على أن الحيازة سبب للملكية، و سكت الشارع عنها و اكتشفنا بذلك إمضائه لها و ثبت مضمونها عند الشارع أيضاً و هو أن الحيازة سبب للملكية، فإن هذا الحكم الشرعي يثبت في حق الجميع، و ليس لأحد من الناس أن يعترض على ذلك بدعوى أني لم أر أن الحيازة سبب للملكية؛ و الوجه في ذلك أن السيرة العقلائية ما هي إلّا طريق لاكتشاف حكم الشارع عن طريق امضائها، و ليس لها أي دور سوى ذلك، و مع ثبوت الحكم الشرعي الكلّي، يكون ذلك الحكم ثابتاً في حق الجميع، فكما لا يمكن لأحد أن يشذ عن حكم الشارع فيما لو ثبت بآية أو رواية، فكذلك في المقام؛ إذ لا فرق بينهما إلّا من ناحية الدليل.
و كذلك لو قامت السيرة العقلائية على أن طيب نفس المالك يكفي في جواز التصرّف في ماله حتى لو لم يأذن صريحاً بذلك، و استكشفنا من هذه السيرة حكم الشارع بذلك أيضاً عن طريق الإمضاء لتلك السيرة، و افترضنا أيضاً أن أحد العقلاء قد شذّ عن عموم الناس في تلك السيرة، بمعنى أنّه لا يرى بما هو عاقل كفاية طيب النفس للتصرّف في مال الغير، فإن النتيجة الشرعية المستكشفة بهذه السيرة و هي حكم الشارع بجواز التصرّف في مال الغير اعتماداً على رضاه القلبي و طيب نفسه، تكون