البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٩ - جواب السيد الشهيد
الثاني: الرجوع إلى التبادر، الذي هو عبارة عن عملية عفوية يمارسها ذهن كل إنسان مهما كان بسيطاً، فيرى ما الذي يتبادر عنده من صيغة «افعل»- مثلًا-، هل هو الوجوب أو الاستحباب؟
فمن خلال أحد هذين الأمرين، يتم تحصيل الغرض الذي من أجله يبحث الأصولي عن تحديد تلك الدلالات، و بعد ذلك، لا يليق بالأصولي- الذي يتولى البحث العلمي المبني على الدقة و التدقيق- أن يبحث عن هذه المسائل، فأي مجال يبقى بعد الرجوع إلى أهل اللغة و التبادر لكي يتولى علم الأصول البحث عن تلك الدلالات ما دام كلا الأمرين السابقين متيسر لعامة الناس؟
جواب السيد الشهيد (قدس سره) على هذا الاعتراض:
قوله (قدس سره) ص ٨٨: «و التحقيق أن البحوث اللفظية ... الخ».
و الجواب على الاعتراض المتقدم، هو: إن غرض الأصولي من البحث في تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي، و إن كان قد يتعلّق أحياناً بتحديد المعنى الذي يدل عليه اللفظ، أو يعيّن ما هو الظاهر من اللفظ عند تعدد معانيه، و لكن، ليس هذا هو الغرض النهائي له، بل غرضه يتعلّق- أيضاً- بمعرفة كيفيّة نشوء تلك الدلالة و تفسيرها؛ لأنّ معرفة ذلك يؤثر على عمليّة الاستنباط كما سبق و أن رأينا في الحلقة الثانية، و سيأتي في هذه الحلقة و سيتم التعرض لبعض هذه الثمرات في بحث الأوامر، و في بحث الإطلاق، و غيرهما من البحوث الأخرى المقبلة، و من المعلوم أنّ مثل هذا الغرض ليس من الممكن أن يحصل بسهولة و بمجرد الرجوع إلى أهل اللغة، أو الرجوع إلى التبادر كما يدعي صاحب هذا الاعتراض.
و على هذا، فللأصولي هنا مجال واسع يقتضي منهُ مزيداً من البحث العلمي، و إعمال الصناعة، و التدقيق في هذه المسائل، فمثلًا لو كان المتبادر من صيغة الأمر هو الوجوب، أ يكتفي الأصولي بهذا؟ أم لا بد له من أن يعرف أن منشأ هذا التبادر هل هو الوضع؟ أو مقدمات الحكمة؟ أو حكم العقل؟ و من الواضح أنّ هذا له مدخلية و ثمرات عديدة تؤثر على العملية الاستنباطية، فيحتاج الأصولي إلى تفسير مثل هذه