البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١ - كيفيّة وقوع البحوث اللفظية مورداً للبحث الأصولي
أو «الكوفة» لوحدها، و إنما استفيد هذا المعنى من مجموع أجزاء الكلام، و إن هذه الكلمات- بانضمام بعضها إلى البعض الآخر، و بهذه الهيئة التركيبية المتقدمة- قد دلت على هذا المعنى، فالمعنى المتحصل إذن من هذا الكلام، استفيد على طريقة تعدد الدال و المدلول [١]، بمعنى: أن هناك مجموعة دوال- أي: ألفاظ- بما لها من مداليل و معان، قد انضمّ بعضها للبعض الآخر، فحصل لنا ذلك المعنى الكلي لمجموع أجزاء الكلام.
إذن، كل جزء من أجزاء ذلك المعنى الكلي يقابله جزء من أجزاء الكلام، فما يقابل تلك الذات المسماة ب- «زيد» في الكلام، هو عبارة عن لفظ «زيد»، و ما يقابل ذلك المكان المعروف و المسمّى ب- «البصرة» هو لفظ «البصرة»، و من هنا، قد يكون ما يقابل بعض أجزاء الكلام من أجزاء المعنى واضحاً، كما بالنسبة إلى «زيد» و «البصرة» و «الكوفة»، و لكن ما يقابل البعض الآخر من قبيل «من» و «إلى» غير واضح، فيبحث هنا بحثاً تحليلياً لتعيين ما يقابل لفظ «من» من معنى، و ما يقابل لفظ «إلى» من معنى.
و من أوضح المصاديق للبحوث اللفظية التحليلية هو البحث عن المعاني الحرفية، و مداليل تلك الحروف؛ فعند ما نقول: «زيد في الدار»، فإننا نفهم المعنى من هذه الجملة، و نفهم أيضاً ما يقابل لفظ «زيد» من معنى، و ما يقابل لفظ «الدار» من معنى، و لكن ما يقابل لفظ «في» من معنى ليس واضحاً، و إن كان مفهوماً عند
وقوعها في الجملة، بحيث لو جزّأنا المعنى الكلي المستفاد من هذه الجملة، و وضعنا كل جزء من
[١] أي طريقة تعدّد الدال و تعدّد المدلول؛ حيث إن لكل دال مدلول، و الدال في المقام هو اللفظ، و المدلول هو المعنى الذي دلَّ عليه اللفظ، فالمعنى المتحصل من قولنا: «زيد عالم»، لا يمكن استفادته من لفظ «زيد» مجرداً، و لا من لفظ «عالم» مجرّداً، بل يحصل لنا بانضمام أحدهما إلى الآخر، و كذا قولنا: «ماء الفرات»؛ فإن المعنى المتحصل منه، و الذي هو عبارة عن الحصّة الخاصة من الماء و هو «ماء الفرات»، لم يكن مدلولًا لكلمة «ماء» لوحدها، و لا لكلمة «الفرات» لوحدها، بل حصل بانضمام إحداهما إلى الأخرى بهيئة خاصة و هي هيئة الإضافة، فنتيجة لتعدد الدوال- الألفاظ- و تعدّد المداليل- المعاني- لهذه الدوال، و انضمام بعضها إلى البعض الآخر بهيئة معيّنة، حصل لنا ذلك المعنى الكلّي المترابط، و هذا المعنى المترابط، تم الوصول إليه عن طريق تعدّد الدال و المدلول، فطريقة تعدد الدال و المدلول نعني بها إفادة مجموعة من المعاني بمجموعة من الدوال و بإزاء كل دال، واحد من تلك المعاني.