البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٢٩ - الأول تفسير المنطق الأرسطي للقضية المتواترة
بعد العلم بكل من الصغرى و الكبرى؛ حيث إن الصغرى ثابتة بالوجدان؛ لافتراض إخبار جماعة كثيرين بموت زيد، و أمّا الكبرى، فيدّعي أنّها من القضايا الأولية التي يدركها العقل؛ و لأجل ذلك عدّ المنطق الأرسطي القضية المتواترة من القضايا الضرورية الست التي ينتهي إليها كل برهان و قياس، و اعتبرها قضية عقلية أوّلية كغيرها من القضايا الأولية، كاستحالة اجتماع النقيضين و غيرها.
ثم إن تفسير المنطق الأرسطي للقضيّة المتواترة يشابه تماماً تفسيره للقضية التجريبيّة التي هي إحدى القضايا الضروريّة الست؛ فإنّه يرى أن اقتران حادثتين إحداهما بالأخرى لمرّات عديدة، يوجب العلم بعلّية إحدى الحادثتين للأخرى؛ بدعوى أن هذا الاقتران المتكرّر بينهما لا يمكن تفسيره إلّا بأحد تفسيرين تاليين:
الأول: أن يكون ذلك الاقتران لأجل علّية إحدى الحادثتين للأخرى، و من الواضح أن وجود المعلول مقترن دائماً بوجود علّته.
الثاني: أن يكون ذلك الاقتران صدفةً و ليس لأجل علّية إحداهما للأخرى، و هذا يعني أن الصدفة قد تكرّرت مرّات عديدة بعدد هذا الاقتران.
و التفسير الثاني باطل لأنّ معناه تكرّر الصدفة، مع أن الصدفة لا تكون أكثرية، و لا تتكرّر إلى هذا الحد، فيتعيّن الأول و يثبت علّية إحدى الحادثتين للأخرى.
و هذا يعني أن القضيّة المستنتجة نتجت من مجموع مقدّمتين:
إحداهما تشكل الصغرى في القياس، و هي عبارة عن اقتران الحادثة الثانية بالأولى مرّات عديدة.
و الأخرى تشكل الكبرى، و هي أن الاتفاق لا يكون دائمياً، بمعنى أنّه يمتنع أن يكون هذا الاقتران بين الحادثتين في كل مرّة من المرّات صدفة؛ لأنّ الصدفة لا تتكرّر إلى هذه الدرجة، فينتج من خلال تطبيق الكبرى على صغراها علّية إحدى الحادثين للأخرى، و إن شئت شكلت قياساً منطقياً فتقول:
أن الحادثة (ب) اقترنت بالحادثة (أ) مرّات عديدة «صغرى».
و كل اقتران متكرّر إلى هذا الحد لا يكون صدفة «كبرى».