البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٥ - الحالة الثانية عدم وضوح منشأ الدلالة و إن كان أصل الدلالة واضحاً
هذه الدلالة، و هل هي ناشئة من الوضع، بمعنى أن اللفظ قد وضع لهذا المعنى فيكون المعنى مدلولًا تصورياً؟ أم أنها ناشئة من مقدمات الحكمة، ليكون مدلولًا تصديقياً، بمعنى: أن اللفظ لم يوضع لهذا المعنى، و إنما استفيد و تبادر لأجل مقدمات الحكمة؟ أم أن هناك منشأ ثالثاً كان سبباً في هذه الدلالة [١]؟
و من الواضح أن معرفة سبب نشوء هذه الدلالة و أنه الوضع، أو مقدمات الحكمة، أو غير ذلك، له تأثير مباشر في عملية الاستنباط، فيحتاج الأصولي إلى أن يبحث عن ذلك، و لا ينفع مجرد التبادر؛ لأنه لم يحدد سوى المعنى و الدلالة، أما كيفية نشوئها فلا دخل للتبادر فيها [٢].
و مثال ذلك: أنه لو قال المولى- مثلًا-: «أكرم الفقير»، فالذي يتبادر من اسم الجنس- و هو «الفقير»- إلى ذهن الإنسان العرفي هو مطلق الفقير، مع عدم تقييده بقيد- كالعدالة مثلًا-، و هذا مما لا شك فيه، و لكن مجرد هذا التبادر، و أن الذي يتبادر من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد هو المطلق، لا يحقق غرض الأصولي؛ فإن الأصولي يبحث عن كل ما له دخل و تأثير في عملية الاستنباط من الدلالات العامة، و من الواضح أن معرفة كيفية تبادر المطلق من اسم الجنس، و سبب نشوء هذه الدلالة، مما له دخل في عملية الاستنباط، فلا بد للأصولي إذن أن يبحث عن أن تبادر المطلق من اسم الجنس هل هو لأجل أن اسم الجنس وضع للطبيعة المطلقة بحيث يكون
الإطلاق داخلًا في المعنى الذي وضع له اسم الجنس، فتكون دلالة اسم الجنس على
[١] كما كان ذلك بالنسبة لدلالة الأمر؛ حيث إن المتبادر منها هو الوجوب، و لكن وقع الخلاف في منشأ هذا التبادر، و هل هو الوضع؟ أو مقدمات الحكمة؟ أو حكم العقل؟ و سيأتي ذلك في بحث الأمر و أدوات الطلب
[٢] إن قيل: قد تقدّم في الحلقة السابقة أن التبادر علامة الحقيقة و الوضع، و هذا يعني أنه يمكننا الرجوع إلى التبادر لتحديد منشأ الدلالة و نثبت بذلك أنه الوضع، فكيف تقولون أنه لا دخل للتبادر في ذلك؟.
كان الجواب: إنّ هذا يتم في ما لو لم يكن هناك منشأ آخر يمكن على أساسه تفسير ذلك التبادر، و أمّا مع فرض وجود ذلك المنشأ الآخر، فلا يتم ما قيل، و سيأتي توضيح ذلك في بحث الأوامر، فانتظر.