البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٦ - الحالة الثانية عدم وضوح منشأ الدلالة و إن كان أصل الدلالة واضحاً
المطلق بالدلالة الوضعية التصورية، و يلزم منه- تبعاً- أن يكون استعمال اسم الجنس في المقيّد- كما في قوله: «أكرم الفقير العادل»- استعمالًا مجازياً، لأنه قد استعمل لفظ الفقير في غير ما وضع له؟ أو أن هذا التبادر من اسم الجنس إنما هو لأجل دال آخر غير الوضع، كمقدمات الحكمة؛ بدعوى أن اسم الجنس- كالفقير- إنما وضع لذات المعنى، أي: لطبيعة الفقير، من دون أن يكون الإطلاق و لا التقييد دخيلًا فيه، أي: وضع للطبيعة المهملة من حيث الإطلاق و التقييد، فيكون الإطلاق مدلولًا تصديقياً مستفاداً من تطبيق مقدمات الحكمة، التي مفادها أنّ ما لا يقوله المتكلّم في كلامه فهو لا يريده، فلو كان يريد خصوص العادل من الفقير، لكان عليه- بمقتضى ظهور حاله في أنه في مقام بيان تمام ما يريده بكلامه- أن يبيّن في كلامه ما يدل على ذلك القيد، فيُنفى بمقدمات الحكمة، و يثبت الإطلاق.
و مثل هذا البحث- معرفة أن تبادر المطلق من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد و إنه لأجل الوضع أو مقدمات الحكمة- لا يكفي فيه مجرد التبادر الساذج، بل لا بد من جمع قرائن و ظواهر عديدة أخرى يستكشف من خلالها ملاك الدلالة و كيفية نشوئها، كأن يقال: إن تبادر المطلق لو كان بسبب أن اسم الجنس موضوع للمطلق، للزم منه أن يكون استعمال اسم الجنس في المقيّد من الاستعمال المجازي، و هذا اللازم باطل؛ إذ لا يفرّق الإنسان العرفي بين استعمال الفقير في المطلق، و استعماله في المقيّد، و لا يشعر بثقل المجازية في قوله: «أكرم الفقير العادل»، مع أن اللازم من كونه موضوعاً للمطلق أن يكون مثل هذا الاستعمال مجازياً، و هذا بخلاف ما لو قلنا بأن اسم الجنس موضوع للطبيعة المهملة و لذات المعنى الذي يتلاءم مع الإطلاق تارة و مع التقييد تارة أخرى؛ فإن مثل قوله: «أكرم الفقير العادل»، لا يكون من الاستعمال المجازي؛ لأنه لم يستعمل الفقير في غير المعنى الذي وضع له، بل استعمله في معناه، و هو طبيعة الفقير، و التقييد إنما استفيد من دال آخر هو كلمة «العادل»، فظاهرة عدم الإحساس بالمجازية في موارد استعمال اسم الجنس و إرادة
المقيّد منه، و غيرها من الظواهر الأخرى، تثبت أن تبادر المطلق من اسم الجنس مع عدم ذكر القيد، إنما هو