مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ٢٤١ - الأول غسل الوجه
أفعال راجحة، فلا يوجب ذلك إلزاما لتلك الافعال على أمته.
مضافا اغلى ما في قوله: «انه صلّى اللّه عليه و آله لا يفعل المكروه و لا يترك الراجح» من التأمل، بل ربما كان يصدر عنهم عليهم السّلام فعل الأول و ترك الثاني لبيان الجواز، و اما ما عن العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى بعد صحيح زرارة: «ان هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به» فبأنه مرسل أولا، و بما في دلالته على الوجوب ثانيا، لان المشار اليه بقوله: «هذا وضوء» ليس هو الوضوء الصادر منه عليه السّلام بجميع ما فيه، لاشتمال ما صدر منه عليه السّلام على جملة مما ليس بواجب، مثل مسح الجانبين من الوجه و مسح جوانب يديه، فلا دلالة في قوله عليه السّلام «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به» على وجوب ابتداء الغسل من الأعلى، و اما المروي في قرب الاسناد فبأنه مرسل أيضا مع ما في دلالته حسبما مر في تقريبها.
و لكن الانصاف ضعف هذه المناقشات و تمامية الاستدلال بتلك الاخبار، و ذلك لظهور حكاية مولانا الباقر عليه السّلام لفعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و قوله عليه السّلام: «ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟» و عناية زرارة في نقله لحكايته بأنه اسدل الماء من الأعلى، في انه عليه السّلام كان بصدد بيان اعتبار الابتداء في الغسل بالأعلى، و بذلك يندفع ما أورد على دلالة قوله هذا وضوء و اما الإشكال في سنده و سند ما في قرب الاسناد بالإرسال، ففيه، أن إرسالهما منجبر بالعمل و استناد المشهور إليهما.
فالحق وجوب الابتداء في غسل الوجه بالأعلى، خلافا للمحكي عن السيد المرتضى و ابن إدريس، و يظهر من جملة من المتأخرين الميل اليه، و استدل لهم بإطلاق أوامر الغسل في الكتاب و السنة، و بما في خبر حماد: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا، و لا يخفى ان إطلاق، الأوامر يقيد بالأخبار المتقدمة لو لم ندع انصرافه الى المتعارف من الغسل و هو الذي يبتدء به من الأعلى، و اما التمسك بخبر حماد فلا يخلو من الغرابة، إذ الكلام في غسل الوجه لا في المسح. و حمل المسح على ما يعم الغسل مجاز لا يصار اليه الا بدليل و هو منتف في المقام، بل الدليل على خلافه- أعني الاخبار المتقدمة.