المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٦٠٢
ولمَّا صار إلى مرج عذراء على اثني عشر ميلا من دمشق تقدَّم البريد بأخبارهم إلى معاوية ، فبعث برجل أعور ، فلمَّا أشرف على حجر وأصحابه قال رجل منهم : إن صدق الزجر فإنَّه سيُقتل منّا نصف وينجو الباقون ، فقيل له : ومن أين علمت؟ قال : أما ترون الرجل المقبل مصاباً بإحدى عينيه ، فلمَّا وصل إليهم قال لحجر : إن أمير المؤمنين (يعني معاوية) أمرني بقتلك يا رأس الضلال ، ومعدن الكفر والطغيان ، والمتولَّى لأبي تراب ، وقتل أصحابك إلاَّ أن ترجعوا عن كفركم! وتلعنوا صاحبكم وتتبرَّؤون منه ، فقال حجر وجماعة ممن كان معه : إن الصبر على حدِّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه ، ثمَّ القدوم على الله وعلى نبيِّه وعلى وصيِّه أحبُّ الينا من دخول النار ، وأجاب نصف من كان معه إلى البراءة من علي(عليه السلام) ، فلمَّا قدِّم حجر ليقتل قال : دعوني أصلِّي ركعتين ، فجعل يطوِّل في صلاته ، فقيل له : أجزعاً من الموت؟ فقال : لا ، ولكنّي ما تطهَّرت للصلاة قط إلاَّ صلَّيت ، وما صلَّيت قط أخفَّ من هذه ، فكيف لا أجزع وإني لأرى قبراً محفوراً ، وسيفاً مشهوراً ، وكفناً منشوراً؟ ثم قدِّم فنُحر ، وأُلحق به من وافقه على قوله من أصحابه . وقيل : إن قتلهم كان في سنة خمسين[١] .
وعن صالح بن كيسان قال : لمَّا قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حجَّ ذلك العام ، فلقي الحسين بن علي(عليهما السلام) فقال : يا أبا عبدالله! هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟ فقال : وما صنعت بهم؟ قال : قتلناهم وكفّنّاهم وصلَّينا عليهم ، فضحك الحسين(عليه السلام) ، ثمَّ قال : خصمك القوم يا معاوية ، لكنّنّا لو قتلنا شيعتك ما كفّنّاهم ، ولا صلّينا عليهم ، ولا أقبرناهم ، ولقد بلغني وقيعتك في علي(عليه السلام) ، وقيامك بنقصنا ، واعتراضك بني هاشم بالعيوب ، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك ، ثمَّ سلها الحق عليها ولها ، فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر
[١] الأنوار العلوية ، الشيخ جعفر النقدي : ٤٦٨ .