المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٣٨٨
وكان وجهه كفلقة القمر ، فقاتل قتالا شديداً حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجل .
قال حميد : كنت في عسكر ابن سعد ، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ، ونعلان قد انقطع شسع أحدهما ، ما أنسى أنه كان اليسرى ، فقال عمرو بن سعد الأزدي : والله لأشدّنَّ عليه ، فقلت : سبحان الله! وماتريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي ، يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه ، قال : والله لأفعلنَّ ، فشدَّ عليه فما ولَّى حتى ضرب رأسه بالسيف ، ووقع الغلام لوجهه ، ونادى : يا عمَّاه!
قال : فجاء الحسين كالصقر المنقضِّ ، فتخلَّل الصفوف ، وشدَّ شدَّة الليث الحرب ، فضرب عمراً قاتلَه بالسيف ، فاتّقاه بيده ، فأطنَّها من المرفق فصاح ، ثمَّ تنحَّى عنه ، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسين ، فاستقبلته بصدورها ، وجرحته بحوافرها ، ووطأته حتى مات ، فانجلت الغبرة فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام ، وهو يفحص برجله ، فقال الحسين (عليه السلام) : يعزُّ ـ والله ـ على عمِّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا يعينك ، أو يعينك فلا يغني عنك ، بعداً لقوم قتلوك .
ثمَّ احتمله ، فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض ، وقد وضع صدره على صدره ، فقلت في نفسي : ما يصنع؟ فجاء حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته ، ثمَّ قال : اللهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تغادر منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً ، صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً .
قال : ثمَّ خرج عبدالله بن الحسن (عليه السلام) الذي ذكرناه أولا ـ وهو الأصح; أنه برز بعد القاسم ـ وهو يقول :