المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٤٦٦
السجاد(عليه السلام) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى ، متحيِّرين لا يدرون ما يصنعون ، ولم يهتدوا إلى معرفتهم ، وقد فرَّق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم ، وربما يُسْألون من أهلهم وعشيرتهم؟
فأخبرهم(عليه السلام) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة ، وأوقفهم على أسمائهم ، كما عرَّفهم بالهاشميين من الأصحاب ، فارتفع البكاء والعويل ، وسالت الدموع منهم كلَّ مسيل ، ونشرت الأسديات الشعور ، ولطمن الخدود .
ثمَّ مشى الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى جسد أبيه ، واعتنقه وبكى بكاءاً عالياً ، وأتى إلى موضع القبر ، ورفع قليلا من التراب ، فبان قبر محفور وضريح مشقوق ، فبسط كفّيه تحت ظهره ، وقال : بسم الله وفي سبيل الله ، وعلى ملّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، صدق الله ورسوله ، ما شاء الله ، لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العظيم ، وأنزله وحده ولم يشاركه بنو أسد فيه ، وقال لهم : إن معي من يعينني ، ولمَّا أقرَّه في لحده وضع خدَّه على منحره الشريف قائلا : طوبى لأرض تضمَّنت جسدك الطاهر ، فإن الدنيا بعدك مظلمة ، والآخرة بنورك مشرقة ، أمَّا الليل فمسهَّد ، والحزن سرمد ، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم ، وعليك منّي السلام ـ يا ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ورحمة الله وبركاته ، وكتب على القبر : هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً .
ولله در الحجة الشيخ علي الجشي عليه الرحمة إذ يقول :
| لَمْ أَنْسَ لمَّا عاد من أَسْرِ العِدَى | سرّاً لِيَدْفُنَ جِسْمَ خيرِ قتيلِ |
| ورآه مطروحاً وقد حفَّتْ به | قومٌ تَنَحَّوا خِيْفَةَ التنكيلِ |
| وَمُذِ استبانوا الحُزْنَ قالوا إنَّنا | جِئْنا لِنَدْفُنَ سِبْطَ خَيرِ رَسُولِ |
| لكنْ لِرَفْعِ الجسمِ والتحريكِ لم | نَرَ كُلُّنا من قُدْرَة وسبيلِ |
| فَدَعَا بِبَارِيَة هناك وَلَفَّهُ | فيها بلا كَفَن وَلاَ تغسيلِ |