المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٥٤٠
ثمَّ رجع النبيُّ(صلى الله عليه وآله) من سفره مغموماً مهموماً ، كئيباً حزيناً ، فصعد المنبر وأصعد معه الحسن والحسين ، وخطب ووعظ الناس ، فلمَّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن ، ويده اليسرى على رأس الحسين ، وقال : اللهم إن محمداً عبدك ورسولك ، وهذان أطائب عترتي ، وخيار أرومتي ، وأفضل ذرّيّتي ، ومن أخلِّفهما في أمتي ، وقد أخبرني جبرئيل أن ولدي هذا مقتول بالسمّ ، والآخر شهيد مضرَّج بالدم ، اللهم فبارك له في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، اللهم ولا تبارك في قاتله وخاذله ، وأَصْلِهِ حرَّ نارك ، واحشره في أسفل درك الجحيم .
قال : فضجَّ الناس بالبكاء والعويل ، فقال لهم النبيُّ (صلى الله عليه وآله) : أيُّها الناس! أتبكونه ولا تنصرونه اللهم فكن أنت له ولياً وناصراً ، ثمَّ قال : يا قوم! إني مخلِّف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ، وأرومتي ، ومزاج مائي ، وثمرة فؤادي ، ومهجتي ، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، ألا وإني لا أسألكم في ذلك إلاَّ ما أمرني ربي أن أسألكم عنه ، أسألكم عن المودّة في القربى ، واحذروا أن تلقوني غداً على الحوض وقد آذيتم عترتي ، وقتلتم أهل بيتي وظلمتموهم ، ألا إنه سيرد عليَّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة : الأولى راية سوداء مظلمة ، قد فزعت منها الملائكة ، فتقف عليَّ فأقول لهم : من أنتم؟ فينسون ذكري ، ويقولون : نحن أهل التوحيد من العرب ، فأقول لهم : أنا أحمد نبيُّ العرب والعجم ، فيقولون : نحن من أمَّتك ، فأقول : كيف خلَّفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربّي؟ فيقولون : أمَّا الكتاب فضيَّعناه ، وأمَّا العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض ، فلمَّا أسمع ذلك منهم أعرض عنهم وجهي ، فيصدرون عُطاشى مسوّدةً وجوهُهُم .
ثمَّ ترد عليَّ راية أُخرى أشدُّ سواداً من الأُولى ، فأقول لهم : كيف خلَّفتموني من بعدي في الثقلين : كتاب الله وعترتي ؟ فيقولون : أمَّا الأكبر فخالفناه ، وأما الأصغر فمزَّقناهم كلَّ ممزَّق ، فأقول : إليكم عني ، فيصدرون عطاشى مسودّة وجوههم .