المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ١٥٢
عليها ، فخذ هذين الغلامين إليك ، فانطلق بهما إلى شاطىء الفرات ، فاضرب عنقيهما وائتني برأسيهما ، لأنطلق بهما إلى عبيدالله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم ، فأخذ الغلام السيف ، ومشى أمام الغلامين ، فما مضى إلاّ غير بعيد حتى قال أحد الغلامين : يا شابّ ، ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنم! فقال : يا حبيبيّ ، فمن أنتما؟ قالا : من عترة نبيك محمد(صلى الله عليه وآله) ، يريد والدك قتلنا ، فانكبَّ الغلام على أقدامهما يقبّلهما ، وهو يقول لهما مقالة الأسود ، ورمى بالسيف ناحية ، وطرح نفسه في الفرات وعبر ، فصاح به أبوه : يا بنيَّ! عصيتني ، قال : لأن أطيع الله وأعصيك أحبُّ إلي من أن أعصى الله وأطيعك .
قال الشيخ : لا يلي قتلكما أحد غيري ، وأخذ السيف ومشى أمامهما ، فلمّا صار إلى شاطىء الفرات سلَّ السيف من جفنه ، فلما نظر الغلامان إلى السيف مسلولا اغرورقت أعينهما ، وقالا له : يا شيخ انطلق بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا ، ولا ترد أن يكون محمد خصمك في القيامة غداً فقال : لا ، ولكن أقتلكما وأذهب برأسيكما إلى عبيدالله بن زياد ، وآخذ جائزة ألفي درهم .
فقالا له : يا شيخ ، أما تحفظ قرابتنا من رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فقال : ما لكما من رسول الله قرابة ، قالا له : يا شيخ ، فائت بنا إلى عبيد الله ابن زياد حتى يحكم فينا بأمره ، قال : ما إلى ذلك سبيل إلاّ التقرّب إليه بدمكما ، قالا له : يا شيخ ، أما ترحم صغر سننا؟ قال : ما جعل الله لكما في قلبي من الرحمة شيئاً ، قالا : يا شيخ ، إن كان ولابدّ فدعنا نصلّي ركعات ، قال : فصلّيا ما شئتما إن نفعتكما الصلاة .
فصلّى الغلامان أربع ركعات ، ثم رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا : يا حيُّ يا حليم ، يا أحكم الحاكمين ، احكم بيننا وبينه بالحق .
فقام إلى الأكبر فضرب عنقه ، وأخذ برأسه ووضعه في المخلاة ، وأقبل الغلام الصغير يتمرَّغ في دم أخيه وهو يقول : حتى ألقى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنا مختضب بدم