فالتفت يميناً وشمالا وإذا هو بحوض عظيم الطول والعرض ، قال : قلت في نفسي : هذا هو الكوثر ، فإذا فيه ماء أبرد من الثلج ، وأحلى من العذب ، وإذا عند الحوض رجلان وامرأة ، أنوارهم تشرق على الخلائق ، ومع ذلك لبسهم السواد ، وهم باكون محزونون ، فقلت : من هؤلاء؟ فقيل لي : هذا محمد المصطفى ، وهذا الإمام علي المرتضى ، وهذه الطاهرة فاطمة الزهراء ، فقلت : ما لي أراهم لابسين السواد وباكين ومحزونين؟ فقيل لي : أليس هذا يوم عاشورا ، يوم مقتل الحسين (عليه السلام)؟ فهم محزونون لأجل ذلك .
قال : فدنوت إلى سيِّدة النساء فاطمة (عليها السلام) ، وقلت لها : يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، إني عطشان ، فنظرت إليَّ شزراً وقالت لي : أنت الذي تنكر فضل البكاء على مصاب ولدي الحسين ، ومهجة قلبي ، وقرَّة عيني ، الشهيد المقتول ظلماً وعدواناً؟ لعن الله قاتليه وظالميه ومانعيه من شرب الماء ، قال الرجل : فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً ، واستغفرت الله كثيراً ، وندمت على ما كان منّي ، وأتيت إلى أصحابي الذين كنت معهم ، وخبَّرت برؤياي ، وتبت إلى الله عزَّ وجلَّ[١] .
ولله درّ الشيخ عبد الحسين الأعسم عليه الرحمة إذ يقول :
| تبكيك عيني لا لأَجْلِ مَثُوبة | لكنَّما عيني لأجلِكَ باكيه |
| تبتلُّ منكم كربلا بِدَم ولا | تبتلُّ منّي بالدُّمُوعِ الجاريه |
| أنْسَتْ رزيَّتُكُمْ رزايانا التي | سَلَفَتْ وهوَّنَتْ الرزايا الآتيه |
| وَفَجَائِعُ الأيَّامِ تبقى مدَّةً وتزو | لُ وهي إلى القيامةِ باقيه |
| لهفي لِرَكْب صُرِّعوا في كربلا | كانت بها آجالُهم متدانيه |
| تعدو على الأعداءِ ظاميةَ الحَشَا | وسيوفُهُمْ لدمِ الأعادي ظاميه |
| نصروا ابنَ نبتِ نبيِّهم طُوْبى لهم | نالوا بِنُصْرَتِهِ مَرَاتِبَ ساميه |
[١] بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٢١٩ ـ ٢٩٣ .