المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٤١٧
ناظراً إليها بعين المستوحشين منها ، آمالُك عنها مكفوفة ، وهمتُك عن زينتها مصروفة ، والحِاظك عن بهجتِها مطروفة ، ورغبتُك في الآخرة معروفة ، حتى إذا الجور مدَّ باعَه ، وأسفَر الظُلم قناعه ، ودعا الغي أتباعه ، وأنت في حرم جدك قاطن ، وللظالمين مباين ، جليس البيت والمحراب معتزل عن اللذات والشهوات ، تُنكرُ المنكرَ بقلبك ولسانك ، على قدر طاقتك وإمكانك .
ثم اقتضاك العلم للإنكار ، ولزمك أن تجاهد الفجار ، فسرت في أولادك وأهاليك ، وشيعتك ومواليك ، وصدعت بالحق والبينة ، ودعوت إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأمرت بإقامة الحدود ، والطاعة للمعبود ، ونهيت عن الخبائث والطغيان ، وواجهوك بالظلم والعدوان ، فجاهدتهم بعد الايعاظ لهم ، وتأكيد الحجة عليهم ، فنكثوا ذِمامك وبيعتك ، وأسخطوا ربك وجدك ، وبدؤوك بالحرب ، فَثبتَّ للطعن والضرب ، وطحنت جنود الفجار ، واقتحمت قسطل الغبار ، مجالدا بذي الفقار ، كأنك علي المختار ، فلما رأوك ثابت الجأش ، غير خائف ولا خاش ، نصبوا لك غوائل مكرهم ، وقاتلوك بكيدهم وشرهم ، وأمر اللعين جنوده ، فمنعوك الماء ووروده ، وناجزوك القتال ، وعاجلوك النزال ، ورشقوك بالسهام والنبال ، وبسطوا إليك أكف الاصطلام ، ولم يرعوا لك ذماما ، ولا راقبوا فيك آثاما ، في قتلهم أولياءك ، ونهبهم رحالك ، أنت مقدم في الهبوات ، ومحتمل للأذيات ، وقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات ، وأحدقوا بك من كل الجهات ، وأثخنوك بالجراح ، وحالوا بينك وبين الرواح ، ولم يبق لك ناصر ، وأنت محتسب صابر ، تذب عن نسوتك وأولادك .
حتى نكسوك عن جوادك ، فهويت إلى الأرض جريحا ، تطؤك الخيول بحوافرها ، وتعلوك الطغاة ببواترها ، قد رشح للموت جبينك ، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك ، تُدير طرفا خفيا إلى رحلك وبيتك ، وقد