المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٤٤٠
واحسيناه ، واغريباه! يا بنيَّ قتلوك وما عرفوك ، ومن شرب الماء منعوك .
فلمّا رأيت ذلك صعقت ورميت نفسي بين القتلى ، وإذا بثلاث نفر وامرأة وحولهم خلائق وقوف ، وقد امتلأت الأرض بصور الناس وأجنحة الملائكة ، وإذا بواحد منهم يقول : يا ابناه يا حسين ، فداك جدّك وأبوك وأخوك وأمك ، وإذا بالحسين(عليه السلام) قد جلس ورأسه على بدنه ، وهو يقول : لبيّك يا جدّاه يا رسول الله ، ويا أبتاه يا أمير المؤمنين ، ويا أمّاه يا فاطمة الزهراء ، ويا أخاه المقتول بالسمّ ، عليكم منّي السلام ، ثمَّ إنه بكى وقال : يا جدّاه ـ قتلوا ـ والله رجالنا ، يا جدّاه سلبوا ـ والله ـ نساءنا ، يا جدّاه نهبوا ـ والله ـ رحالنا ، يا جدّاه ذبحوا ـ والله ـ أطفالنا ، يا جدّاه يعزّ ـ والله ـ عليك أن ترى حالنا ، وما فعل الكفار بنا ، وإذا هم جلسوا يبكون حوله على ما أصابه ، وفاطمة تقول : يا أباه يا رسول الله ، أما ترى ما فعلت أمتك بولدي؟ أتأذن لي أن آخذ من دم شيبه وأخضب به ناصيتي ، وألقى الله عزّ وجلَّ وأنا مختضبة بدم ولدي الحسين؟ فقال لها : خذي ونأخذ يا فاطمة ، فرأيتهم يأخذون من دم شيبه وتمسح به فاطمة ناصيتها ، والنبيّ وعلي والحسن(عليهم السلام)يمسحون به نحورهم وصدورهم وأيديهم إلى المرافق ، وسمعت رسول الله يقول : فديتك يا حسين! يعزُّ ـ والله ـ عليَّ أن أراك مقطوع الرأس ، مرمَّل الجبينين ، دامي النحر ، مكبوباً على قفاك ، قد كساك الذارىء من الرمول[١] ، وأنت طريح مقتول ، مقطوع الكفين ، يا بنيَّ! من قطع يدك اليمنى وثنّى باليسرى؟ فقال : يا جدّاه! كان معي جمّال من المدينة ، وكان يراني إذا وضعت سراويلي للوضوء ، فيتمنَّى أن تكون تكّتي له ، فما منعني أن أدفعها إليه إلاّ لعلمي أنه صاحب هذا الفعل ، فلمّا قتلت خرج يطلبني بين القتلى ، فوجدني جثة بلا رأس ، فتفقَّد سراويلي فرأى التكّة ، وقد كنت عقدتها عقداً كثيرة ، فضرب بيده إلى التكة فحلَّ عقدة منها ، فمددت يدي اليمنى
[١] قال في الهامش : جمع الرمل على الرمول على غير قياس .