المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٣٤٠
ثم فارقني ودخل خيمة أخته ، فوقفت إلى جنبها رجاء أن يسرع في خروجه منها ، فاستقبلته ووضعت له متّكئاً ، وجلس يحدِّثها سرّاً ، فما لبثت أن اختنقت بعبرتها وقالت : وا أخاه! أشاهد مصرعك وأُبتلى برعاية هذه المذاعير من النساء ، والقوم كما تعلم ما هم عليه من الحقد القديم ، ذلك خطب جسيم ، يعزُّ عليَّ مصرع هؤلاء الفتية الصفوة وأقمار بني هاشم ، ثم قالت : أخي! هل استعلمت من أصحابك نيَّاتهم; فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة .
فبكى(عليه السلام) وقال : أما والله لقد نهرتهم وبلوتهم ، وليس فيهم إلاَّ الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنيَّة دوني استئناس الطفل بلبن أمه .
فلمّا سمع هلال ذلك بكى رقّة ، ورجع وجعل طريقه على منزل حبيب بن مظاهر ، فرآه جالساً وبيده سيف مصلت ، فسلَّم عليه وجلس على باب الخيمة ، ثم قال له : ما أخرجك يا هلال؟ فحكيت له ما كان ، فقال : إي والله ، لولا انتظار أمره لعاجلتهم وعالجتهم هذه الليلة بسيفي .
ثمَّ قال هلال : يا حبيب! فارقت الحسين(عليه السلام) عند أخته وهي في حال وجل ورعب ، وأظنُّ أن النساء أفقن وشاركنها في الحسرة والزفرة ، فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهن بكلام يسكِّن قلوبهن ويذهب رعبهن ، فلقد شاهدت منها ما لا قرار لي مع بقائه ، فقال له : طوع إرادتك .
فبرز حبيب ناحية وهلال إلى جانبه ، وانتدب أصحابه فتطالعوا من منازلهم ، فلمّا اجتمعوا قال لبني هاشم : ارجعوا إلى منازلكم ، لاسهرت عيونكم ، ثمَّ خطب أصحابه وقال : يا أصحاب الحميَّة وليوث الكريهة! هذا هلال يخبرني الساعة بكيت وكيت ، وقد خلَّف أخت سيِّدكم وبقايا عياله يتشاكين ويتباكين ، أخبروني عمَّا أنتم عليه ، فجرَّدوا صوارمهم ، ورموا عمائمهم ، ، وقالوا : يا حبيب! أما والله الذي منَّ علينا بهذا الموقف ، لئن زحف القوم لنحصدنَّ رؤوسهم ، ولنلحقنَّهم