المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٤٤٢
أنا ذات ليلة راقد على فراشي فرأيت طيفاً كأن القيامة قامت ، والناس يموجون على الأرض كالجراد إذا فقدت دليلها ، وكلهم دالع لسانه على صدره من شدّة الظمأ ، وأنا أعتقد بأن ما فيهم أعظم مني عطشاً ، لأنه كلَّ سمعي وبصري من شدّته ، هذا غير حرارة الشمس يغلي منها دماغي ، والأرض تغلي كأنها القير إذا أشتعل تحته نار ، فخلت أن رجلي قد تقلَّعت قدماها ، فوالله العظيم لو أني خُيِّرت بين عطشي وتقطيع لحمي حتى يسيل دمي لأشربه لرأيت شربه خيراً من عطشي ، فبينا أنا في العذاب الأليم ، والبلاء العميم ، إذا أنا برجل قد عمَّ الموقف نوره ، وابتهج الكون بسروره ، راكب على فرس ، وهو ذو شيبة ، قدحفت به ألوف من كلِّ نبيّ ووصيّ وصدّيق وشهيد وصالح ، فمرَّ كأنه ريح أو سيران فلك ، فمرَّت ساعة وإذا أنا بفارس على جواد أغرّ ، له وجه كتمام القمر ، تحت ركابه ألوف ، إن أمر ائتمروا ، وإن زجر انزجروا ، فاقشعرَّت الأجسام من لفتاته ، وارتعدت الفرائص من خطراته ، فتأسَّفت على الأول ما سألت عنه خيفة من هذا ، وإذا به قد قام في ركابه ، وأشار إلى أصحابه ، وسمعت قوله : خذوه ، وإذا بأحدهم قابض بعضدي كلبة حديد خارجة من النار ، فمضى بي إليه ، فخلت كتفي اليمنى قد انقلعت ، فسألته الخفّة فزادني ثقلا ، فقلت له : سألتك بمن أمرك عليَّ من تكون؟
قال : مَلِكٌ من ملائكة الجبار ، قلت : ومن هذا؟ قال : عليّ الكرار ، قلت : والذي قبله؟ قال : محمد المختار ، قلت : والذي حوله؟ قال : النبيون ، والصدّيقون ، والشهداء والصالحون ، والمؤمنون ، قلت : أنا ما فعلت حتى أمرك عليَّ؟ قال : إليه يرجع الأمر ، وحالك حال هؤلاء ، فحقَّقت النظر وإذا بعمر بن سعد أمير العسكر ، وقوم لم أعرفهم ، وإذا بعنقه سلسلة من حديد ، والنار خارجة من عينيه وأذنيه ، فأيقنت بالهلاك ، وباقي القوم منهم مغلَّل ، ومنهم مقيَّد ، ومنهم مقهور بعضده مثلي ، فبينا نحن نسير وإذا برسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي وصفه الملك جالس على كرسيّ عال