المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ١٤٥
وسالت الدموع كل مسيل ، ثم إن الحسين(عليه السلام) سار قاصداً لما دعاه الله ، فلقيه الفرزدق الشاعر فسلَّم عليه وقال : يا ابن رسول الله ، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمِّك مسلم بن عقيل وشيعته؟ قال : فاستعبر الحسين(عليه السلام)باكياً ثم قال : رحم الله مسلماً ، فلقد صار إلى رَوح الله وريحانه ، وتحيّته ورضوانه ، أما إنه قد قضى ما عليه ، وبقي ما علينا ، ثم أنشأ يقول :
| فإنْ تكن الدنيا تُعَدُّ نفسيةً | فَدَارُ ثوابِ اللهِ أعلى وأنبلُ |
| وإن تكن الأبدانُ للموتِ أُنشئت | فَقَتْلُ امرء بالسيفِ في اللهِ أفضلُ |
| وإن تكن الأرزاقُ قسماً مقدَّراً | فَقِلَّةُ حِرْصِ المرءِ في الرزقِ أجملُ |
| وإن تكن الأموالُ للتركِ جَمْعُها | فما بالُ متروك به المرءُ يبخلُ[١] |
وروي في خبر آخر عن عبدالله بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا : لمّا قضينا حجَّنا لم تكن لنا همّة ، إلاَّ اللحاق بالحسين(عليه السلام) لننظر ما يكون من أمره ، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقنا بزرود ، فلمَّا دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين(عليه السلام) ، فوقف الحسين كأنه يريده ، ثمَّ تركه ومضى ومضينا نحوه ، فقال أحدنا لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا لنسأله ، فإنَّ عنده خبر الكوفة ، فمضينا إليه فقلنا : السلام عليك ، فقال : وعليكما السلام ، قلنا : ممن الرجل؟ قال : أسدي ، قلنا له : ونحن أسديان ، فمن أنت؟ قال : أنا بكر بن فلان ، وانتسبنا له ، ثم قلنا له : أخبرنا عن الناس من ورائك .
قال : لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، ورأيتهما يجّران بأرجلهما في السوق ، فأقبلنا حتى لحقنا الحسين(عليه السلام) فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياً ، فجئنا حين نزل فسلَّمنا عليه فردَّ علينا السلام ، فقلنا له ، رحمك الله ، إن عندنا خبراً إن شئت حدَّثناك علانية وإن شئت سراً ، فنظر إلينا
[١] اللهوف في قتلى الطفوف ، ابن طاووس : ٤٥ ، بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٤٧ .