المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٦٨٩
على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر[١] .
وروى أبو الفرج الأصفهاني في ذكر أيام المتوكل ، ومن ظهر فيها فقتل أو حبس من آل أبي طالب(عليه السلام) ، قال : وكان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً على جماعتهم ، مهتمّاً بأمورهم ، شديد الغيظ والحقد عليهم ، وسوء الظن والتهمة لهم ، واتفق له أن عبيدالله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم ، فحسَّن له القبيح في معاملتهم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله ، وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين(عليه السلام) وعفَّى آثاره ، ووضع على سائر الطرق مسالح له ، لا يجدون أحداً زاره إلاَّ أتوه به فقتله ، أو أنهكه عقوبة .
قال : وبعث برجل من أصحابه يقال له : الديزج ـ وكان يهودياً فأسلم ـ إلى قبر الحسين(عليه السلام) ، وأمره بكرب قبره ومحوه ، وإخراب كل ما حوله ، فمضى إلى ذلك وخرَّب ما حوله ، وهدم البناء ، وكرب ما حوله نحو مائتي جريب ، فلمَّا بلغ إلى قبره لم يتقدَّم إليه أحد ، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه ، وأجرى الماء حوله ، ووكَّل به مسالح ، بين كل مسلحتين ميل ، لا يزوره زائر إلاَّ أخذوه ووجَّهوا به إليه .
قال : فحدَّثني محمد بن الحسين الإشناني ، قال : بَعُد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفاً ، ثمَّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها ، وساعدني رجل من العطَّارين على ذلك ، فخرجنا زائرين ، نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية ، وخرجنا منها نصف الليل ، فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا ، فجعلنا نشمُّه ونتحَّرى جهته حتى أتيناه ، وقد قُلع الصندوق الذي كان حواليه وأُحرق ، وأُجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق ، فزرناه وأكببنا عليه ، فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قط كشيء من الطيب ، فقلت للعطّار الذي كان معي : أيُّ رائحة هذه؟ فقال : لا والله ، ما شممت
[١] مروج الذهب ، المسعودي : ٤/٥١ .