المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٦٢٣
ولمَّا جنَّ الليل جاء البنَّاء في ظلمته ، وأخرج ذلك العلويَّ من جوف تلك الإسطوانة ، وقال له : اتقِ الله في دمي ودم الفعلة الذين معي ، وغيِّب شخصك ، فإني إنما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة من جوف هذه الإسطوانة لأني خفت إن تركتك في جوفها أن يكون جدّك رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم القيامة خصمي بين يدي الله عزَّ وجلَّ ، ثمَّ أخذ شعره بآلات الجصَّاصين كما أمكن ، وقال له : غيِّب شخصك بنفسك ، ولا ترجع إلى أمك ، قال الغلام : فإن كان هذا هكذا فعرِّف أمي أنّي قد نجوت وهربت ، لتطيب نفسها ، ويقلَّ جزعها وبكاؤها ، إن لم يكن لعودي إليها وجه ، فهرب الغلام ، ولا يُدرى أين قصد من أرض الله ، ولا إلى أيِّ بلد وقع؟ قال ذلك البنَّاء : وقد كان الغلام عرَّفني مكان أمه ، وأعطاني العلامة شعره ، فانتهيت إليها في الموضع الذي كان دلَّني عليه ، فسمعت دويّاً كدويِّ النحل من البكاء ، فعلمت أنها أمه ، فدنوت منها وعرَّفتُها خبرَ ابنها ، وأعطيتُها شَعرَه ، وانصرفت[١] .
ويروى فيما جرى على العلويين من آل الحسن(عليه السلام) أيَّام المنصور أنهم أُخذوا فصفِّدوا في الحديد ، ثمَّ حُملوا في محامل أعراء لا وطاء فيها ، ووقفوا بالمصلى لكي يشتمهم الناس ، فكفَّ الناس عنهم ، ورقّوا لهم للحال التي هم فيها ، ثمَّ انطلقوا بهم حتى وقفوا عند باب مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وهو الباب الذي يقال له باب جبرئيل (عليه السلام) ، فاطّلع عليهم أبو عبدالله(عليه السلام) ، وعامّة ردائه مطروح بالأرض ، ثمَّ اطّلع من باب المسجد ، فقال : لعنكم الله يا معشر الأنصار ـ ثلاثاً ـ ما على هذا عاهدتم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولا بايعتموه ، ثمَّ قام وأخذ إحدى نعليه فأدخلها رجله ، والأخرى في يده ، وعامة ردائه يجرُّه في الأرض ، ثمَّ دخل في بيته فحمَّ عشرين ليلة ، لم يزل يبكي فيها الليل والنهار حتى خيف عليه .
وروي أنه لمَّا طلع بالقوم في المحامل قام أبو عبدالله(عليه السلام) من المسجد ، ثمَّ
[١] عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ، الصدوق : ٢/١٠٢ ح ٢ ، بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٧/٣٠٦ .