المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٥٩٩
معاوية في سجن دمشق زماناً ، حتى وجّه إليها برأس عمرو بن الحمق ، فألقي في حجرها ، فارتاعت لذلك ، ثمَّ وضعته في حجرها ووضعت كفّها على جبينه ، ثمَّ لثمت فاه ، ثمّ قالت : غيَّبتموه عني طويلا ، ثمَّ أهديتموه إليَّ قتيلا ، فأهلا بها من هدية ، غير قالية ومقليَّة .
وذكر أبو الحسن علي بن محمد الكاتب المعروف بالشابشتي أن عمرو بن الحمق لمَّا قُتل حُمل رأسه إلى معاوية ، وهو أول رأس حُمل في الإسلام من بلد إلى بلد ، وكانت آمنة بنت الشريد زوجته بدمشق ، فلمَّا حُمل رأس عمرو إليه أمر أن يُلقى في حجرها ، وأن يُسمع منها ما تقول ، فلمَّا رأته ارتاعت له ، وأكبَّت عليه تقبِّله ، وقالت : واضعيتاه في دار هوان ، بَقّيتموه طويلا ، وأهديتموه إليَّ قتيلا ، فأهلا وسهلا ، كنت له غير قالية ، وأنا له غير ناسية ، قل لمعاوية : أيتم الله ولدك ، وأوحش منك أهلك ، ولا غفر لك ذنبك[١] .
وقال النسَّابة أبو جعفر محمد بن حبيب في كتاب المحبر : ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي ـ وكان شيعياً ـ ودير به في السوق[٢] .
وقال ابن كثير : فطيف به في الشام وغيرها ، فكان أول رأس طيف به[٣]
ولكن ـ أيها المؤمنون ـ لا مصيبةَ كمصيبةِ ريحانةِ الرسول(صلى الله عليه وآله) الحسين(عليه السلام)الذي طيف برأسه البلدان ، على رمح طويل ، ينظر إليه نساؤه وبناته ، وشيبته مخضَّبة بدمه ، وبقي جسمه على بوغاء كربلاء بلا دفن ثلاثة أيام ، ولله درّ ابن حماد عليه الرحمة إذ يقول :
| يا غريباً لأجلِهِ صرتُ أبكي | أَسَفاً بَعْدَه على الغُرَبَاءِ |
[١] تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : ٦٩/٤٠ ، أسد الغابة ، ابن الأثير : ٤/١٠١ . [٢] الغدير ، الشيخ الأميني : ١١/٤٤ . [٣] البداية والنهاية ، ابن كثير : ٨/٥٢ .