المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٥٨٩
وجحودهم موضعاً يتقرَّبون به إلى أوليائهم ، وقضاة السوء ، وعمال السوء في كل بلدة ، فحدَّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنَّا ما لم نقله وما لم نفعله ، ليُبغَّضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن(عليه السلام) ، فقُتلت شيعتُنا بكل بلدة ، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة ، وكان من يُذكر بحبِّنا والانقطاع إلينا سُجن ، أو نُهب ماله ، أو هُدمت داره .
ثمَّ لم يزل البلاء يشتدُّ ويزداد إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين(عليه السلام) ، ثمَّ جاء الحجاج فقتلهم كلَّ قتلة ، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة ، حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبُّ إليه من أن يقال شيعة علي(عليه السلام) ، وحتى صار الرجل الذي يُذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدِّث بأحاديث عظيمة عجيبة ، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ، ولا كانت ولا وقعت ، وهو يحسب أنها حقٌّ لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ، ولا بقلّة ورع[١] .
وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب (الأحداث) ، قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمّاله بعد عام الجماعة : أن برئت الذمّة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كل منبر ، يلعنون علياً ، ويبرؤون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة; لكثرة من بها من شيعة علي(عليه السلام) ، فاستعمل عليهم زياد ابن سمية ، وضمَّ إليه البصرة ، فكان يتتبَّع الشيعة وهو بهم عارف; لأنه كان منهم أيام علي(عليه السلام) ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرَّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم .
[١] شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ١١/٤٣ ، كتاب سليم بن قيس : ١٨٦ ـ ١٨٩ .