المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٥٥٢
فكأنما نشطت من عقال ، فأتيت بابه فاستأذنت عليه ، فصوَّت بي : صحَّ الجسم ، ادخل ، ادخل ، فدخلت عليه وأنا باك ، فسلَّمت عليه ، وقبَّلت يده ورأسه .
فقال(عليه السلام) لي : وما يبكيك يا محمّد؟ فقلت : جعلت فداك ، أبكي على اغترابي وبُعد الشقّة وقلّة القدرة على المقام عندك والنظر إليك ، فقال لي : أمّا قلّة القدرة فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودّتنا ، وجعل البلاء إليهم سريعاً ، وأمّا ما ذكرت من الغربة فإن المؤمن في هذه الدنيا غريب ، وفي هذا الخلق المنكوس ، حتى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله ، وأمّا ما ذكرت من بُعد الشقّة فلك بأبي عبدالله(عليه السلام)أسوة ، بأرض نائية عنّا بالفرات ، وأمّا ما ذكرت من حبِّك قربنا والنظر إلينا ، وأنك لا تقدر على ذلك ، فالله يعلم ما في قلبك ، وجزاؤك عليه .
ثمَّ قال(عليه السلام) لي : هل تأتي قبر الحسين؟ قلت : نعم ، على خوف ووجل ، فقال : ما كان في هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف ، فمن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم يقوم الناس لربِّ العالمين ، وانصرف بالمغفرة ، وسلَّمت عليه الملائكة ، وزاره النبي(صلى الله عليه وآله) ودعا له ، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبع رضوان الله .
ثمَّ قال لي(عليه السلام) : كيف وجدت الشراب؟ فقلت : أشهد أنكم أهل بيت الرحمة ، وأنّك وصيُّ الأوصياء ، لق أتاني الغلام بما بعثت وما أقدر على أن أستقلَّ على قدمي ، ولقد كنت آيساً من نفسي ، فناولني الشراب فشربته ، فما وجدت مثل ريحه ، ولا أطيب من ذوقه ولا طعمه ، ولا أبرد منه ، فلمَّا شربته قال لي الغلام : إنه أمرني أن أقول لك : إذا شربته فأقبل إليَّ ، وقد علمت شدّ ما بي فقلت : لأذهبنَّ إليه ولو ذهبت نفسي ، فأقبلت إليك وكأني نشطت من عقال ، فالحمد لله الذي جعلكم رحمة لشيعتكم .
فقال(عليه السلام) : يا محمد! إن الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي ، وهو