ولحيته كسواد السبج قد انتصل منها الخضاب ، ووجهه دارة قمر طالع ، والرمح
تلعب بها يمينا وشمالا ، فالتفتت زينب (عليها السلام) فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل ، حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول :
| يا هلالا لما استتم كما لا | غالهُ خسفهُ فأبدا غروبا |
| ما توهمت يا شقيقَ فؤادي | كان هذا مقدراً مكتوباً |
| يا أخي فاطم الصغيرة كلمها | فقد كاد قلبها أن يذوبا |
| يا أخي ماترى عليا لدى الأسر | مع اليُتم لا يُطيق ركوبا |
| كلما أو جعوه بالضرب ناداك | بذل يفيضُ دمعاً سكوبا |
| ما أذل اليتيم حين ينادي | بأبيه ولا يراه مُجيبا[١] |
قال السيد ابن طاووس عليه الحرمة : قال بشير بن خزيم الأسدي : ونظرت إلى زينب بنت علي(عليه السلام) يومئذ ، ولم أر خفرة قط ـ والله ـ أنطق منها ، كأنها تفرغ من لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا ، فارتدَّت الأنفاس ، وسكنت الأجراس ، ثمَّ قالت : الحمد لله ، والصلاة على أبي محمّد وآله الطيبين الأخيار ، أمَّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر ، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنَّة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتخذون إيمانكم دخلا بينكم ، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النطف ، والصدر الشنف ، وملق الإماء ، وغمز الأعداء ، أو كمرعى على دمنة ، أو كفضة على ملحودة ، ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون .
أتبكون؟ وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم
[١] بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٥/١١٤ ، ينابيع المودة ، القندوزي : ٣/٨٧ .