المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٤٥١
فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة ، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت : مالي أرى الكوفة تضج ؟ قال : الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد ، فقلت : من هذا الخارجي ؟ فقال : الحسين بن علي (عليهما السلام) قال : فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن تذهب ، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكناس ، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة (عليها السلام)وإذا بعلي بن الحسين (عليهما السلام) على بعير بغير وطاء ، وأوداجه تشخب دماً ، وهو مع ذلك يبكي ويقول :
| يا أمةَ السوءِ لا سقياً لربعكُمُ | يا أمةً لم تراع جدنَا فينا |
| لو أننا ورسولُ الله يجمعُنا | يومَ القيامةِ ما كنتم تقولونا |
| تُسيرونا على الأقتاب عاريةً | كأننا لم نُشيد فيكمُ دينا |
قال : وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز ، فصاحت بهم أم كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة إن الصدقة علينا حرام ، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض . قال : كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم .
| وأعظم ما يشجيِ ويُودع في الحشا | حرارةُ وجدِ دونهِا لذعةُ الجمرِ |
| تَصدَقُ أعداها عليها شماتةً | بما نالها بالخبزِ والجوزِ والتمرِ |
ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل ، وقالت لهم : صه يا أهل الكوفة تقُتلنا رجالُكم ، وتبكينا نساؤكم ؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله ، يوم فصل القضاء .
فبينما هي تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت ، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين (عليه السلام) وهو رأس أزهري قمري ، أشبه الخلق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)