المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٣٨٢
أتقوَّى بها على الأعداء؟ فبكى الحسين(عليه السلام) وقال : يا بنيَّ! يعزُّ على محمد وعلى علي ابن أبي طالب وعليَّ أن تدعوهم فلا يجيبوك ، وتستغيث بهم فلا يغيثوك ، يا بنيَّ! هاتِ لسانك ، فأخذ بلسانه فمصَّه ، ودفع إليه خاتمه وقال : أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوِّك ، فإني أرجو أنك لا تُـمسي حتى يسقيك جدُّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً . فرجع إلى القتال وهو يقول :
| الحربُ قد بانت لها الحَقَائِقُ | وَظَهَرَتْ مِنْ بَعْدِهَا مَصَادِقُ |
| وَاللهِ رَبِّ الْعَرْشِ لاَ نُفَارِقُ | جُمُوعَكم أَوْ تُغْمَدَ الْبَوَارِقُ |
فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ، ثمَّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته ، وضربه الناس بأسيافهم ، ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء ، فقطَّعوه بسيوفهم إرباً إرباً .
فلمَّا بلغت الروح التراقي قال رافعاً صوته : يا أبتاه! هذا جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله)قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول : العجل العجل! فإنّ لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة ، فصاح الحسين(عليه السلام) وقال : قتل الله قوماً قتلوك ، ما أجرأهم على الرحمان وعلى رسوله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، وعلى الدنيا بعدك العفا .
قال حميد بن مسلم : فكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور ، وتقول : يا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه! فسألت عنها فقيل : هي زينب بنت علي(عليه السلام) ، وجاءت وانكبَّت عليه ، فجاء الحسين فأخذ بيدها فردَّها إلى الفسطاط ، وأقبل(عليه السلام) بفتيانه وقال : احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه ، فجاؤوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه .
قال الراوي : وشدَّ عثمان بن خالد الهمداني على عبدالرحمان بن عقيل بن أبي