المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٣٣٣
فمضى العباس إلى القوم ، ورجع من عندهم ، ومعه رسول من قبل عمر ابن سعد يقول : إنّا قد أجَّلناكم إلى غد ، فإن استسلمتم سرَّحنا بكم إلى عبيدالله بن زياد ، وإن أبيتم فلسنا بتاركيكم ، فانصرف .
ولله درّ الشاعر إذ يقول :
| فَاسْتَمْهَلَ السِّبْطُ الطُّغَاةَ لعلَّه | يدعو إلى اللهِ العليِّ وَيَضْرَعُ |
| فَأَقَامَ ليلتَهُ يُنَاجي رَبَّه | طوراً وَيَسْجُدُ في الظلامِ وَيَرْكَعُ |
وجمع الحسين(عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء ، قال علي بن الحسين زين العابدين(عليهما السلام) : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبي يقول لأصحابه : أثني على الله أحسن الثناء ، وأحمده على السرّاء والضرّاء ، اللهمَّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة ، وعلَّمتنا القرآن ، وفقَّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين .
أمّا بعد ، فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي خيراً ، ألا وإنّي لأظنُّ يوماً لنا من هؤلاء ، ألا وإنّي قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ، ليس عليكم حرج منّي ولا ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا .
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبدالله بن جعفر : لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً ، بدأهم بهذا القول العباس بن علي واتّبعته الجماعة عليه فتكَّلموا بمثله ونحوه .
فقال الحسين(عليه السلام) : يا بني عقيل! حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل ، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم ، فقالوا : سبحان الله! ما نقول للناس؟ نقول : إنّا تركنا شيخنا وسيِّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرمِ معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ، لا والله ما نفعل ذلك ، ولكن نفديك