المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٣١٣
عينه ، فإذا سال دموعه على خدِّه فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرَّها حتى لا يوجد لها حرّ ، وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض ، وإن الكوثر ليفرح بمحبِّنا إذا ورد عليه ، حتى إنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه .
يا مسمع ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، ولم يشقَ بعدها أبداً ، وهو في برد الكافور ، وريح المسك ، وطعم الزنجبيل ، أحلى من العسل ، وألين من الزبد ، وأصفى من الدمع ، وأَذكى من العنبر ، يخرج من تسنيم ، ويمرُّ بأنهار الجنان ، تجري على رضراض الدرّ والياقوت ، فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء ، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ، قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر ، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة ، يقول الشارب منه : ليتني تُرِكْتُ ههنا لا أبغي بهذا بدلا ، ولا عنه تحويلا .
أما إنك يا كردين ممن تُروى منه ، وما من عين بكت لنا إلاَّ نعمت بالنظر إلى الكوثر ، وسقيت منه من أحبَّنا ، فإن الشارب منه ليعطى من اللذّة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاه من هو دونه في حبِّنا ، وإن على الكوثر أمير المؤمنين(عليه السلام) وفي يده عصا من عوسج ، يحطم بها أعداءنا ، فيقول الرجل منهم : إني أشهد الشهادتين! فيقول : انطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك ، فيقول : يتبَّرأ مني إمامي الذي تذكره ، فيقول : ارجع وراءك فقل للذي كنت تتولاَّه وتقدِّمه على الخلق ، فاسأله إذ كان عندك خير الخلق أن يشفع لك ، فإن خير الخلق حقيق أن لا يُرَدَّ إذا شُفِّع ، فيقول : إني أهلك عطشاً ، فيقول : زادك الله ظمأ ، وزادك الله عطشاً .
قلت : جُعلت فداك ، وكيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره؟ قال : وَرِعَ عن أشياء قبيحة ، وكفَّ عن شتمنا إذا ذُكرنا ، وترك أشياء اجترأ