قال المرحوم الشيخ جعفر التستري عليه الرحمة : إن الحسين(عليه السلام) في مصيبة ولده قد احتضر وأشرف على الموت ثلاث مرَّات ، الأولى ، لمَّا برز علي الأكبر واستأذن أباه فأذن له ، وألبسه الدرع والسلاح ، وأركبه على العقاب ، قال رضي الله عنه : فلمَّا تجلَّى وجه طلعته من أفق العقاب ، واستولت يده وقدمه على العنان والركاب ، خرجن النساء وأحدقن به فأخذت عمَّاته وأخواته بعنانه وركابه ، ومنعنه من العزيمة ، فعند ذلك تغيَّر حال الحسين(عليه السلام) بحيث أشرف على الموت ، وصاح بنسائه وعياله ، دعنه فإنه ممسوس في الله ومقتول في سبيل الله ، ثم أخذ بيده وأخرجه من بينهن ، فنظر إليه نظر آيس منه ، والثانية : التي احتضر فيها الحسين(عليه السلام)وذلك حين رجع علي الأكبر(عليه السلام) من المعركة وقد أصابته جراحات كثيرة ، والدم يجري من حلق درعه ، وقد اشتدَّ به الحرُّ والعطش ، وقف وقال : يا أبه العطش ، فضمَّه الحسين(عليه السلام) إلى صدره ، وبكى وأشرف على الموت من شدّة الهمّ والحزن من حيث أنه لا يتمكَّن من سقيه ، والمرَّة الثالثة : حين رأى علياً سقط ونادى : يا أبه عليك منّي السلام ، قالت سكينة : لمَّا سمع أبي صوت ولده نظرت إليه فرأيته قد أشرف على الموت ، وعيناه تدوران كالمحتضر ، وجعل ينظر إلى أطراف الخيمة ، وكادت روحه أن تطلع من جسده ، وصاح من وسط الخيمة : ولدي ، قتل الله قوماً قتلوك[١] .
| يا كوكباً ما كان أَقْصَرَ عُمْرَهُ | وكذاك عُمْرُ كَوَاكِبِ الأسحارِ |
| وهلالَ أيَّام مضى لم يَسْتَدِرْ | بدراً ولم يُمْهَلْ لِوَقْتِ سَرَارِ |
| عَجِلَ الخُسُوفُ عليه قَبْلَ أَوَانِهِ | فَمَحَاه قَبْلَ مَظَنَّةِ الإبدارِ |
| أبكيهِ ثمَّ أقولُ معتذراً له | وُفِّقْتَ حين تَرَكْتَ أَلأَمَ دَارِ |
| جَاوَرْتُ أعدائي وَجَاوَرَ ربَّه | شَتَّانَ بين جِوَارِهِ وَجِوَاري |
[١] معالي السبطين ، الحائري : ١/٤١٦ .