فرغت من مناسك الحج فاجعل طريقك على المدينة ، فإذا أتيت المدينة فأنزل ابنتي على بابها فستدرج وتمشي ، فامش أنت وزوجتي خلفها حتى تقف على باب دار عالية ، فتلك الدار دارنا ، فتدخل البيت وليس فيها إلاّ نساء وكلّهن أرامل .
ثمَّ قضى(عليه السلام) نحبه فغسَّله وحنَّطه وكفَّنه ودفنه ، ولله درّ الحجة الشيخ علي الجشي عليه الرحمة إذ يقول :
| وَقَضَى غريباً نازحاً عن دَارِهِ | نفسي فِدَا النَّائي الغريبِ القَاسِمِ |
| يا ميِّتاً من هاشم مَا سَارَ مِنْ | خَلْفِ السريرِ له يشيِّعُ هَاشِمي |
| يا ثاوياً في أَرْضِ بَاخمرا سَقَى | تلك المَرَابِعَ فيك صَوْبُ غَمَائِمِ |
| ويتيمةُ النائي المشرَّدِ يَثْرِباً | قَدِمَتْ ولكنْ لا ببهجةِ قَادِمِ |
| أَتُسَرُّ فاقدةٌ تَؤُمُّ فَوَاقِداً | مِنْ بَعْدِ عزٍّ لم تَجِدْ مِنْ رَاحِمِ |
| مَحْنِيَّةُ الأضلاعِ داميةُ الحَشَى | تسعى كعالمة لِدَارِ الكاظمِ |
| وبأَدْمُع حُمْر بكت لمعالم | مهجورة بينَ الديارِ قَوَاتِمِ |
| لهفي على تلك المَعَالِمِ غُلِّقَتْ | أبوابُها وبها غَنَاءُ الْعَادِمِ |
| وَسَفَى على أَعْتَابِها السافي وَقَدْ | كانت تُقَبِّلُها شِفَاهُ اللاَّثِمِ |
| عَنْها نَأَتْ تلك الكِرَامُ فَمَا بِها | إلاَّ أَرَامِلُ أو يتامى هاشمي[١] |
قال : فلما صار وقت الحج حجَّ هو وابنته وابنة القاسم ، فلمَّا قضوا مناسكهم جعلوا طريقهم على المدينة ، فلمَّا وصلوا إلى المدينة أنزلوا البنت عند بابها على الأرض ، فجعلت تدرج والشيخ يمشي خلفها إلى أن وصلت إلى باب الدار فدخلت ، فبقي الشيخ وابنته واقفين خلف الباب ، وخرجن النساء إليها واجتمعن حولها ، وقلن : من تكونين؟ وابنة من؟ فلمَّا قلن لها النساء : ابنة من تكونين؟ لم تجبهم إلاَّ بالبكاء والنحيب ، فعند ذلك خرجت أم القاسم ، فلمَّا نظرت إلى شمائلها
[١] ديوان العلامة الجشي : ٣٦٨ ـ ٣٦٩ .