المجالس العاشوريّة في المآتم الحسينيّة - آل درويش، عبد الله ابن الحاج حسن - الصفحة ٢٣٠
قال(عليه السلام) : هذه الحروف من أنباء الغيب ، أطلع الله عليها عبده زكريا ، ثمَّ قصَّها على محمد عليه وآله السلام ، وذلك أن زكريا سأل الله ربَّه أن يعلِّمه أسماء الخمسة ، فأهبط عليه جبرئيل(عليه السلام) فعلَّمه إياها ، فكان زكريا إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن(عليهم السلام) سرِّي عنه همُّه ، وانجلى كربه ، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة ، ووقعت عليه البهرة ، فقال(عليه السلام) ذات يوم : إلهي ، ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلَّيت بأسمائهم من همومي ، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصّته فقال : كهيعص ، فالكاف اسم كربلا ، والهاء هلاك العترة الطاهرة ، والياء يزيد وهو ظالم الحسين ، والعين عطشه ، والصاد صبره .
فلما سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ، ومنع فيهن الناس من الدخول عليه ، وأقبل على البكاء والنحيب ، وكان يرثيه : إلهي ، أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ إلهي ، أتنزل بلوى هذه الرزيّة بفنائه؟ إلهي ، أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة؟ إلهي ، أتحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما ، ثمّ كان يقول : إلهي ، ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر ، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبِّه ، ثم أفجعني به كما تفجع محمداً حبيبك بولده ، فرزقه الله يحيى وفجعه به ، وكان حمل يحيى ستة أشهر ، وحمل الحسين(عليه السلام) كذلك[١] .
وعن الفضل قال : سمعت الرضا(عليه السلام) يقول : لما أمر الله عزّ وجلّ إبراهيم(عليه السلام)أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه تمنَّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده ، وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده عليه بيده ، فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، فأوحى الله عزّ وجلَّ إليه : يا إبراهيم من أحبُّ خلقي إليك؟ فقال : يا ربّ ، ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليَّ من حبيبك محمد ، فأوحى الله إليه :
[١] بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٢٢٣ .