لا طاقة لهم بالقوم ، فانهزموا راجعين إلى حيِّهم ، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفاً من ابن سعد أن يبيِّتهم ، ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين(عليه السلام) فخبَّره بذلك فقال(عليه السلام) : لا حول ولا قوة إلا بالله[١] ولله درّ الشيخ حسين بن محمد الدندن الأحسائي عليه الرحمة إذ يقول :
| فأتى إلى وادي الطفوفِ بفتية | تَرِدُ الرَّدَى بنفوسِهَا تَفْدِيهِ |
| مُضَريَّة غُلْب نَمَاها هاشمٌ | كبني أبيه وعمِّه وأخيهِ |
| وتنادبت للذَّبِّ عنه عُصبَةٌ | لبَّت نُفُوسُهُمُ نِدَا دَاعِيهِ |
| من كلِّ أشوسَ يرتوي فَيْضَ الدِّمَا | وَشَبَا الحُسَامِ من الطُّلاَ يُرْوِيهِ |
| حتَّى قضوا عطشاً بماضيهِ الظُّبا | أَرْوَاهُمُ من نَحْرِهِمْ هَامِيهِ |
| فَدَعَاهُمُ يَا أُسْدَ غَابَاتِ الوَغَى | لِمَنِ اللِّوى مِنْ بَعْدِكُمْ أُعْطِيهِ |
| وَغَدَا وحيداً لم يَجِدْ من ناصر | غيرَ السِّنَانِ وصارم يَحْمِيهِ[٢] |
عظَّم الله لكم الأجر أيها المؤمنون ، وأحسن الله لكم العزاء في مصاب الحسين(عليه السلام) ، وهكذا ضيَّق عليه أهل النفاق والشقاق ، ومنعوا أن يصل إليه أحد لنصرته ، وبقي مع هؤلاء الثلّة من أصحابه ، وكانوا نيِّفاً وسبعين رجلا ، وأهل بيته (عليهم السلام) وكانوا سبعة عشر رجلا ، فلهفي على الحسين(عليه السلام) لما صُرِّع أصحابه يوم العاشر من المحرَّم ، وبقي بعدهم(عليه السلام) وحيداً فريداً ، لا ناصر له ولا معين ، يستغيث فلا يغاث ، ويرى أصحابه صرعى على بوغاء كربلاء .
قال بعض الرواة : ثم توجَّه(عليه السلام) نحو القوم ، وجعل ينظر يميناً وشمالا ، فلم ير أحداً من أصحابه وأنصاره إلاَّ من صافح التراب جبينه ، ومن قطع الحمام أنينه ، فنادى(عليه السلام) : يا مسلم بن عقيل ، ويا هاني بن عروة ، ويا حبيب بن مظاهر ، ويا
[١] بحار الأنوار ، المجلسي : ٤٤/٣٨٦ .
[٢] مجلة تراثنا ، مؤسسة آل البيت : عدد ٢٩/ ص ١٩٠ .