ثمَّ تنحَّى .
فقال مسلم : أما لو لم تأمنوني ما وضعت يدي في أيديكم ، فأتي ببغلة فحمل عليها ، واجتمعوا حوله ونزعوا سيفه ، وكأنه عند ذلك يئس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثمَّ قال : هذا أول الغدر ، فقال له محمد بن الأشعث : أرجو أن لا يكون عليك بأس ، قال : وما هو إلاَّ الرجاء؟ أين أمانكم؟ إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وبكى ، فقال له عبيدالله بن العباس : إن من يطلب مثل الذي طلبت إذا ينزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ ، قال : والله إني ما لنفسي بكيت ، ولا لها من القتل أرثي ، وإن كنتُ لم أحبَّ لها طرفة عين تلفاً ، ولكني أبكي لأهلي المقبلين ، إني أبكي للحسين وآل الحسين(عليه السلام) .
ولله درّ الشيخ حسين الحياوي عليه الرحمة إذ يقول :
| قد خاض بَحْرَ الموتِ في حَمَلاتِهِ | وعُبَابُهُ بِصِفَاحِهِم مُتَلاطِمُ |
| وتراه طَلاَّعَ الثنايا في الوَغَى | تبكي العدى والثغرُ منه باسمُ |
| قد آمنته وَلاَ أَمَانَ لِغَدْرِها | فَبَدَتْ له مما تُجِنُّ عَلاَئِمُ |
| سلبته لاَمَةَ حَرْبِهِ ثمَّ اغتدى | متأمِّراً فيه ظلُومٌ غاشمُ |
| أسرته ملتهبَ الفؤادِ من الظما | وله على الْوَجَناتِ دَمْعٌ سَاجِمُ |
| لم يبكِ من خوف على نفس | لكنَّه أبكاه رَكْبٌ قَادِمُ |
| يبكي حسيناً أن يُلاَقيَ مالقي | من غَدْرِهِم فَتُبَاحَ منه مَحَارِمُ[١] |
ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال : يا عبدالله ، إني أراك والله ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسيناً ـ فإني لا أراه إلاّ وقد خرج اليوم أو خارج غداً وأهل بيته ـ ويقول له : إن ابن عقيل بعثني إليك ، وهو أسير في يد القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل ، وهو يقول لك : ارجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك ، ولا يغررك أهل الكوفة فإنهم
[١] رياض المدح والرثاء ، الشيخ حسين القديحي : ١٤٦ .