لئالي الأصول - علوی گرگانی، محمدعلی - الصفحة ٤٨٠ - حول مسألة الجبر و الاختیار
يعدّ مجموعة من تلك الأميال المختلفة، والاستعدادات المتشتّتة، فكما أنّه قد يمرض وقد يصحّ وقد ينشط وقد يحزن من حيث عالم الوجود والجسم، كذلك له حالات مختلفة في عالم الروح أيضاً؛ حيث أنّه قد يتهذّب ويصبح متديّناً وتلومه النفس اللوّامة والوجدان الأخلاقي، فيقدم في هذه الحالة على الأعمال الحسنة والأعمال المحبوبة الراجحة، وقد يعطف على الأفراد من بني نوعه وغيره؛ ففي تلك الحالة كان فمنشأ هذه الحالة هي الجهة المستعدّة لحسن الأفعال، وهي ارتباطه مع العوالم الملكوتيّه العالية الموجبة لصدور الأفعال الحسنة منه.
كما أنّه قد يعكس الأمر، فيصبح ذا خلق خبيث وأعمال قبيحة، مستتبعاً للشهوات، ومتابعاً لخطوات الشيطان، ويفعل من الأعمال القبيحة بحسب إرادة نفسه الأمّارة من دون أن يهاب اللَّه القادر المتعال، حتّى يبلغ خبثه وسوء سريرته إلى ما لا يصل إليه غيره من الموجودات؛ ففي ذلك يستحقّ اللعنة والنفرة من ربّ العالمين، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [١]، وهي إشارة إلى الجهة المستعدّة لذلك، وهي ارتباطه مع الجبلّة الشيطانيّة والطينة الخبيثة الملعونة.
فاختلاف حالات كلّ إنسان في عالم المادّيات والمعنويات، أدلّ دليل على وجود الاستعدادات المختلفة في ذات الإنسان المستعدّة لقبول هذا تارةً، وذاك اخرى. كما أنّه أيضاً دليل على حرّيته واختياره في ذلك، وعلى قدرته لاتّخاذ ما هو خيرٌ له والاجتناب عمّا هو شرٌّ له، من تهيئة أسبابه الشرعيّة
[١] سورة عبس: الآية ١٧.