دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٧٥ - و منها آية النفر
الثاني: إنّ التّفقّه الواجب ليس إلّا معرفة الامور الواقعيّة من الدين، فالإنذار الواجب هو الإنذار بهذه الامور المتفقّه فيها، فالحذر لا يجب إلّا عقيب الإنذار بها، فإذا لم يعرف المنذر- بالفتح- أنّ الإنذار هل وقع بالامور الدينيّة الواقعيّة أو بغيرها خطأ أو تعمّدا من المنذر- بالكسر- لم يجب الحذر حينئذ، فانحصر وجوب الحذر فيما إذا علم المنذر صدق المنذر في إنذاره بالأحكام الواقعيّة. فهو نظير قول القائل: أخبر فلانا بأوامري لعلّه يمتثلها.
لا تثبت إلّا بالعلم. فالمتحصّل هو أنّ الآية لا ترتبط بما نحن فيه.
و الجواب عن هذا الإشكال يظهر ممّا ذكرنا فى تقريب الآية على حجّية خبر الواحد، من أنّ تقابل الجمع بالجمع ظاهر في الاستغراق، و تقسيم الأفراد على الأفراد، فيفيد وجوب الحذر عقيب إنذار كلّ منذر مطلقا، سواء كان مفيدا للعلم أم لا، كما هو مقتضى إطلاق الآية، فلا فرق بين هذا المطلق و سائر المطلقات فى جواز التمسّك بالإطلاق ما لم يوجد هناك مقيّد.
و أمّا استشهاد الإمام ٧ بها على وجوب النّفر لمعرفة الإمام ٧ فلا يضر بإطلاقها، إذ مقتضى الاطلاق هو حجّية مطلق الخبر، و لكن دل الدليل من الخارج على اعتبار العلم في العقائد و اصول الدين، و هو لا يمنع من التمسّك بإطلاقها على حجّية الخبر، و إن لم يكن مفيدا للعلم فيما لم يثبت فيه اعتبار العلم من الخارج كالفروع مثلا.
(الثاني: إنّ التّفقّه الواجب ليس إلّا معرفة الامور الواقعية من الدين).
و ملخّص تقريب هذا الوجه من الإشكال: أنّ المراد من التّفقّه إنّما هو التفقّه في الأحكام الواقعية التابعة للمصالح و المفاسد الواقعيين، كما أنّه ليس المراد من الإنذار إلّا الإنذار في الامور الواقعية، و بمقتضى جعل الحذر غاية لهما لا بدّ أن يكون المراد منه العمل بما تفقّه في الدين من الأحكام الواقعية.
فيجب على المنذر- بالفتح- أن يعلم بأنّ المنذر- بالكسر- قد أنذره بالأحكام الواقعية، فيختص وجوب الحذر بما أحرز و علم أنّه مطابق للواقع، فلا ترتبط الآية بالمقام أصلا، و لا يجوز التمسّك بها على حجّية الخبر غير المفيد للعلم بالواقع.
(فهو نظير قول القائل: أخبر فلانا بأوامري لعلّه يمتثلها) فلو عمل بإنذار المنذر، و لم يعلم أنّه إنذار بالأحكام الواقعية، لم يصدق على هذا العمل بأنّه عمل و امتثال للأحكام