دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٧٥ - الوجه الثاني إنّ الأصل في الأفعال الغير الضرورية الحظر
و ما ورد على تقدير تسليم دلالته معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف و الاحتياط، فالمرجع إلى الأصل، و لو تنزّلنا عن ذلك فالوقف، كما عليه الشيخان، و احتج عليه في العدّة بأنّ الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم المفسدة فيه.
فنقول:
إن الأقوال في هذه المسألة على ما يظهر من كلام المصنّف (قدّس سرّه) ثلاثة هي: الحظر، و التوقّف، و الإباحة.
و قد أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى الأوّل بقوله: إن الأصل في الأفعال غير الضرورية الحظر ...
إلى آخره، و إلى الثاني بقوله: و لو تنزّلنا عن ذلك فالوقف ... إلى آخره، و إلى الثالث بقوله:
و إن قال بأصالة الإباحة ... إلى آخره.
قوله: (و ما ورد على تقدير تسليم دلالته معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف و الاحتياط ... إلى آخره).
دفع لما قد يتوهّم من أنّ الأصل في الأشياء و إن كان هو الحظر مع قطع النظر عن الشرع، فيعمل به حتى تثبت الإباحة شرعا، إلّا إنّه قد ثبتت الإباحة شرعا فيما لا نصّ فيه بأدلّة البراءة، و بذلك لا ينفع هذا الأصل في إثبات مفاد كلام الأخباريّين.
و حاصل الدفع أنّ ما ورد على تقدير تسليم دلالته من أدلّة البراءة معارض بما ورد من الأمر بالتوقّف و الاحتياط فيتساقطان، و يرجع إلى الأصل المذكور و هو الحظر. هذا تمام الكلام فيما يظهر من المصنّف (قدّس سرّه) من الأقوال.
و أمّا ما استدل به لكلّ واحد منها، فاحتجّ القائلون بالحظر بأنّ الأشياء كلّها للّه تعالى، و من البديهي عند العقل هو عدم جواز التصرف في مال الغير بدون إذن منه، فيحكم بقبح التصرف في مال الغير بغير الإذن.
و فيه: إنّ ذلك صحيح في نفسه، إلّا إنّ اللّه تعالى خلق الأشياء للإنسان لا لنفسه، لعدم الحاجة كما يدل عليه قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً [١] و قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَ مِنْها تَأْكُلُونَ [٢].
[١] غافر: ٦٤.
[٢] غافر: ٧٩.