دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١٦ - (فمن الكتاب آيات،
و كيف كان، فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور، و إلّا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين و إن نازعت الأشاعرة في إمكانه.
نعم، لو اريد من الموصول نفس الحكم و التكليف كان إيتاؤه عبارة عن الإعلام به، لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية، و إرادة الأعمّ منه و من المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين.
الجامع بين الإيصال و الإعطاء و الإقدار، و بعبارة اخرى: أن يكون المراد بالإيتاء هو الإعطاء، و لكن الإعطاء يختلف، لأنّ إعطاء كلّ شيء بحسبه، فإعطاء التكليف يكون بالإيصال و الإعلام، و إعطاء المال بالتمليك، و إعطاء ما يصدر عن المكلّف بالإقدار، و بهذا تشمل الآية المقام أيضا، و تدل على البراءة على فرض إمكان وجود الجامع بين المعاني المذكورة.
إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك أن الآية يمكن الاستدلال بها على البراءة على فرض صحة الاحتمال الأول و الرابع دون الاحتمال الثاني و الثالث كما لا يخفى.
ثمّ إن الظاهر منها بقرينة المورد هو الاحتمال الثاني، ثمّ الثالث، و لا يمكن حملها على الاحتمال الأول و الرابع، لأنّ الاحتمال الأول مناف لموردها، كما أشار إليه بقوله:
(لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية).
أي: إرادة التكليف بالخصوص من الموصول يكون منافيا لمورد الآية، لأنّه مختصّ بالمال، و الاحتمال الرابع مستلزم لاستعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى، و هو و قد أشار إليه بقوله: (و إرادة الأعمّ منه و من المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين).
إذ لا جامع بين المال و التكليف، و ذلك لأنّ الموصول إذا كان بمعنى التكليف كان مفعولا مطلقا للفعل، أي: لا يكلّف اللّه نفسا إلّا تكليفا، و إذا كان بمعنى المال كان مفعولا به، و من الواضح عدم الجامع بينهما لأنّ المفعول المطلق يكون من شئون الفعل، فيكون متأخرا عنه، و المفعول به يكون ممّا وقع عليه الفعل، فلا بدّ أن يكون متقدما عليه، فلا يعقل الجامع بين المعنيين.
و كيف كان، فإنّ الاستدلال بالآية على البراءة يكون مبنيّا على الاحتمال الأول و الرابع اللذين لا يمكن حمل الآية عليهما.