دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١٨ - (فمن الكتاب آيات،
لكنّها لا تنفع في المطلب، لأن نفس المعرفة باللّه غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه، فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء في الآية. و سيجيء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى.
و ممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [١].
و منها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [٢].
المذكورتين، فيعلم من استشهاده بالآيتين على نفي التكليف بالمعرفة من دون البيان أنّ المراد بالموصول هو التكليف، فيكون معنى الآية- حينئذ- لا يكلّف اللّه نفسا إلّا تكليفا بيّنه لها، سواء كان التكليف متعلّقا بالامور الاعتقادية كمعرفة اللّه تعالى كما في مورد الرواية أو بالأفعال كما في المقام.
ثمّ أجاب المصنّف (قدّس سرّه) عن هذا التأييد بقوله: (لكنّها لا تنفع في المطلب).
أي: ما ورد في الرواية لا ينفع في إثبات المطلب، و هو نفي التكليف من دون البيان، بل ما ورد فيها يناسب المعنى الثالث للموصول، و هو نفي التكليف بغير المقدور، لأنّ نفس المعرفة باللّه تعالى غير مقدور قبل البيان و قبل تعريف اللّه تعالى، فلا يكون استشهاد الإمام ٧ بالآية دليلا على نفي التكليف من دون بيان، بل يكون دليلا على نفي التكليف بغير المقدور، و يكون المراد من الإيتاء الإقدار.
(و ممّا ذكر يظهر حال التمسّك بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها).
إذ هذه الآية نصّ في نفي التكليف بغير المقدور، فلا ترتبط بالمقام أصلا، لأنّ ترك محتمل الحرمة مقدور، فلا يكون مشمولا للآية.
(و منها قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
و ملخص تقريب الاستدلال بهذه الآية على البراءة هو أنه تعالى قد أخبر بعدم التعذيب و العقاب قبل بعث الرسل و إتمام الحجّة، فبعث الرسل كناية عن بيان الأحكام و إيصالها إلى المكلّفين، فيكون معنى الآية: أنّه تعالى لا يؤاخذهم على مخالفة التكليف المجهول غير الواصل إليهم، فتدلّ على رفع العقاب في مورد الجهل بالتكليف الإلزامي و هو المطلوب
[١] البقرة: ٢٨٦.
[٢] الإسراء: ١٥.