دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٥٩ - (بقي في المقام شيء
المؤاخذة على الحسد مع مخالفته لظاهر الأخبار الكثيرة. و يمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره، بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا.
و يؤيّده تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة النهدي عن أبي عبد اللّه ٧، المرويّة في أواخر أبواب الكفر و الإيمان من اصول الكافي، قال: (قال رسول اللّه ٦: وضع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و ما استكرهوا عليه و الطّيرة و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد) [١]، الحديث.
و لعلّ الاقتصار في النبوي الأوّل على قوله: (ما لم ينطق) لكونه أدنى مراتب الإظهار.
و روي: (ثلاثة لا يسلم منها أحد، الطّيرة و الحسد و الظنّ). قيل: فما نصنع؟ قال: (إذا
لم يظهره، و ذلك لإطلاق لفظ الحسد في النبوي، فيكون معنى الحديث- حينئذ- أنّ الحسد كان حراما على الامم السابقة مطلقا، و ارتفعت حرمته أو المؤاخذة عليه عن هذه الامة مطلقا، و هذا المعنى الذي كان لفظ الحسد ظاهرا فيه مخالف لظاهر الأخبار الكثيرة الدالة على الحرمة و المؤاخذة مطلقا، فيكون إطلاق رفع أثر الحسد في النبوي معارضا للأخبار الكثيرة.
و قد أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى رفع هذا التعارض بقوله:
(و يمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره، بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا).
و ملخّص الجمع بينهما هو حمل الأخبار الدالة على الحرمة و المؤاخذة على صورة إظهار الحسد، و حمل النبوي على صورة عدم الإظهار، ثم إن هذا التقييد في إطلاق الحسد في النبوي يمكن بملاحظة جعل عدم النطق باللسان المذكور فى آخر الامور المذكورة فيه قيدا للحسد أيضا، أي: كما هو قيد للوسوسة في التفكّر في الخلق قطعا، فيكون مفاد الحديث- حينئذ- هو أنّ الحسد كان حراما على الامم السابقة، فارتفعت حرمته عن هذه الامّة منّة و تفضّلا من اللّه تعالى، أو ارتفع عقابه ما لم يظهره الحاسد باللسان.
(و يؤيّده تأخير الحسد عن الكل في مرفوعة النهدي ... إلى آخره).
[١] الكافي ٢: ٤٦٣/ ٢. الوسائل ١٥: ٣٧٠، أبواب جهاد النفس و ما يناسبه، ب ٥٦، ح ٣، بتفاوت يسير فيهما.