دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٩٣ - (الثالث لا إشكال في رجحان الاحتياط عقلا و نقلا)
الطاعة و لا يترتّب على مخالفته سوى ذلك، فكذلك أمره بالأخذ بما يأمن معه الضرر لا يترتّب على موافقته سوى الأمان المذكور، و لا على مخالفته سوى الوقوع في الحرام الواقعي على تقدير تحقّقه.
و يشهد لما ذكرنا أنّ ظاهر الأخبار حصر حكمة الاجتناب عن الشبهة في التفصّي عن الهلكة الواقعيّة لئلّا يقع فيها من حيث لا يعلم، و اقترانه مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في كونه ورعا، و من المعلوم أنّ الأمر باجتناب المحرّمات في هذه الأخبار ليس إلّا للإرشاد، لا يترتّب على مخالفتها و موافقتها سوى الخاصيّة الموجودة في المأمور به و هو الاجتناب عن الحرام أو فوتها، فكذلك الأمر باجتناب الشبهة لا يترتّب على موافقته سوى ما يترتّب على نفس الاجتناب لو لم يأمر به الشارع، بل فعله المكلّف حذرا من الوقوع في الحرام.
فيأمره بشربه، فلا يترتّب على أمره بشرب الدواء سوى ما في الدواء من الخاصيّة عند الشرب و فوت الخاصيّة عند عدم الشرب.
إذا عرفت هذا فقد اتّضح لك أنّ الأوامر الشرعيّة المتعلّقة بالاحتياط تكون من قبيل أوامر الطبيب إرشاديّة، و ذلك لوجهين:
أحدهما: ما أشار إليه المصنّف ; بقوله:
(إنّ ظاهر الأخبار حصر حكمة الاجتناب عن الشبهة في التفصّي عن الهلاكة الواقعيّة لئلّا يقع فيها من حيث لا يعلم).
و حاصله: إنّ غالب الأوامر المتعلّقة بالاجتناب عن الشبهات قد علّلت بأنّ في الاجتناب عنها تخلّص عن الهلاكة و عن الوقوع في المحرّمات الواقعيّة المجهولة، فلا يترتّب عليها سوى ما يترتّب على ارتكاب الحرام الواقعي من الهلاك و العقاب على تقدير كون المشتبه حراما في الواقع، و هذا هو نفس ملاك الأوامر الإرشاديّة، كما لا يخفى.
و ثانيهما: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:
(و اقترانه مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في كونه ورعا).
أي: يشهد لما ذكرنا من كون هذه الأوامر للإرشاد اقتران الاجتناب عن الشبهات مع الاجتناب عن الحرام المعلوم في كونه ورعا، كما تقدّم في رواية فضيل بن عيّاض، حيث قال: قلت لأبي عبد اللّه ٧: من الورع من الناس؟ قال ٧: (الذي يتورّع عن محارم اللّه)