دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٢٦ - (المسألة الرابعة دوران الحكم بين الحرمة و غير الوجوب، مع كون الشكّ في الواقعة الجزئيّة لأجل الاشتباه في بعض الامور الخارجيّة)
يوجب حرمة الأفراد المعلومة تفصيلا و المعلومة إجمالا بين محصورين. و الأوّل لا يحتاج إلى مقدّمة علميّة، و الثاني يتوقّف على الاجتناب من أطراف الشبهة لا غير.
و أمّا ما احتمل كونه خمرا من دون علم إجمالي، فلم يعلم من النهي تحريمه، و ليس مقدّمة
(مدفوع) خبر لقوله: و توهّم ... إلى آخره.
و دفع التوهّم المزبور يتّضح بعد بيان مقدمة و هي:
إنّ الأحكام الشرعيّة و إن كانت متعلّقة بالموضوعات من دون تقييدها بالعلم أو الجهل، و الألفاظ و إن كانت موضوعة للمعاني كذلك، إلّا إنّ حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لم يكن مطلقا، بل يتوقّف على عدم البيان الواصل إلى المكلّف الذي يوجب تنجّز التكليف، فإذا انتفى هذا القسم من البيان يحكم العقل بقبح العقاب، سواء لم يبيّنه الشارع أصلا، أو بيّنه و لم يصل إلى المكلّف، أو وصل و لم يعلم بتوجّهه إليه من جهة عدم العلم بوجود موضوعه لا تفصيلا و لا إجمالا، كما في المقام.
فالعقل هنا يحكم بقبح تنجّز التكليف الواقعي من دون بيان، ثمّ إنّ التكليف لا يتنجّز إلّا بالعلم بنفس الحكم و هو أكبر و العلم بموضوعه و هو أصغر، لأنّ شرط تنجّز التكليف هو العلم بالموضوع و المحمول معا، و لا يكفي فيه العلم بالمحمول أي: الحكم، كما هو المفروض في المقام حيث يعلم المكلّف حرمة الخمر، و لكنّه لا يعلم الموضوع أي:
الخمر، بل يحتمل كون المائع المعيّن خمرا، فالعقل لا يحكم بقبح التكليف الواقعي بلا بيان واقعي حتى يقال بعدم جريانه في المقام لوجود البيان في الشبهة الموضوعيّة، بل وجود البيان مختصّ بمورد العلم بالموضوع، أو الحكم تفصيلا أو إجمالا فيما إذا كانت أطرافه محصورة، إذ يجب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي بالحرمة أو الخمريّة من باب المقدّمة العلميّة، فلا يجري فيه حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لوجود البيان و تنجّز التكليف به و هو العلم مطلقا.
فظهر من هذا البيان أنّه لا يجب الاجتناب عمّا يحتمل كونه خمرا من باب المقدّمة العلميّة؛ لأنّ وجوب المقدّمة فرع لوجوب ذيها، و وجوبه لم يكن ثابتا في المقام، و ذلك لعدم العلم بالموضوع؛ لأنّ تنجّز التكليف يتوقّف على إحراز الصغرى، و هي في المقام ليست محرزة، لعدم كون المائع الموجود خمرا، و الكبرى و هي كون الخمر حراما شرعا