دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨٦ - مقدّمة
و قد عرفت أنّ القطع حجّة في نفسه لا بجعل جاعل، و الظن يمكن أن يعتبر في متعلّقه، لكونه كشفا ظنيا و مرآة لمتعلّقه. لكنّ العمل به و الاعتماد عليه في الشرعيّات موقوف على وقوع التعبّد به، و هو غير واقع إلّا في الجملة، و قد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعية في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
إلى التكليف الشرعي، و إلّا لم يكن مكلّفا أصلا.
فإنّه يقال: إن الالتفات على قسمين:
الأول: هو الالتفات إلى أصل التكليف مقابل الغفلة عنه أصلا.
و الثاني: هو الالتفات إلى ثبوت الحكم لكلّ موضوع من الموضوعات بعد علمه بأصل التكليف إجمالا.
و المراد منه في المقام هو القسم الثاني لا الأول، و بذلك يخرج ذكر قيد الالتفات عن اللغوية، فتأمّل تعرف.
(و قد عرفت أن القطع حجّة في نفسه لا بجعل جاعل).
قد تقدم في بحث القطع أنه حجّة بذاته، و أنه لا يقبل الجعل نفيا و إثباتا بخلاف الظن، إذ أنّه ممّا يمكن أن يجعله الشارع حجّة، و ذلك لمكان كشفه الواقع كشفا ظنّيا ناقصا، الذي يقترن باحتمال مخالفة الواقع، فيجعله الشارع حجّة بتنزيله منزلة القطع و ذلك بإلغاء احتمال مخالفته للواقع، و بذلك يكون اعتباره بجعل من الشارع لا بالذات، و قد تقدم أنّه قد وقع التعبّد به من قبل الشارع في الجملة، و قد تقدم تفصيل موارد التعبّد به في بحث الظن.
و أمّا الشك فلا يعقل اعتباره حتى بالجعل، و ذلك لعدم وجود جهة كاشفة فيه عن الواقع أصلا، فكيف يعقل للشارع أن يجعله حجّة، بأن يأمر المكلّف بالجري على العمل به مع كونه في حالة من التحيّر و الترديد، إذ لا يرى شيئا من الواقع حتى يأتي به؟!
فمثل الحجّية للقطع و الظن و الشك مثل الوجود للواجب و الممكن و الممتنع حيث تكون حجّية القطع بالذات، كوجود الواجب بذاته لذاته.
بينما تكون حجّية الظن بالجعل، كوجود الممكن حيث يكون بالعلّة، و أمّا حجّية الشك فممتنعة كامتناع وجود المحال بالذات، فتأمّل جيدا.